: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص وإنما حكى ادعاءهم لذلك، وقوله: {هل يستطيع ربك} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين مطيعين لربهم، ولذلك قال (عليه السلام) : {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} ، ولا تشكّوا في اقتداره واستطاعته ولا تقترحوا عليه الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها {إن كنتم مؤمنين} أي كانت دعواكم للإِيمان صادقة {قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا} ، قال جار الله: من الشاهدين نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل {ونكون عليها من الشاهدين} لله تعالى بالوحدانية ولك بالنبوة عاكفين عليها وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم للإِيمان والإِخلاص, وإنما سأل عيسى (عليه السلام) وأجيب ليلتزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء} قال جار الله: أصله يا الله فحذف حرف النداء {تكون لنا عيدًا} أي يكون يوم نزولها عيدًا، قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيدًا, وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيد فكان معناه يكون لنا سرورًا وفرحًا
{لأولنا وآخرنا} أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل منها أولهم، قال الله مجيبًا لعيسى (عليه السلام) : {إني منزلها عليكم} يعني المائدة {فمن يكفر بعد منكم} أي بعد نزولها {فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين} عالمي زمانهم، فجحد القوم، وكفروا بعد نزول المائدة، فمسخوا قردة وخنازير، وروي أن عيسى (عليه السلام) لما أراد الدعاء لبس صوفًا ثم قال: {اللهم انزل علينا مائدة من السماء} والمائدة الخوان عليها الطعام, فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى (عليه السلام) وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، فقال لهم: ليقم أحسنكم عملًا فيكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها, قال شمعون كبير الحواريين: أنت أولى بذلك يا روح الله، فقام عيسى (عليه السلام) فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل فقال: بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسمًا, وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، قال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيء منهما، ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقدرة