فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 206

ويضيف الشيخ الغزالي في ذات السياق قائلا: إنك عندما تثبت قلب رجل تقول له: لا تخش إلا الله؛ إنك لا تقول له ذلك وهو بصدد ارتكاب معصية, إنما تقول ذلك له وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير يخالف التقاليد المتوارثة، وظاهر في هذه الآيات كلها أن الله لا يجرئ نبيه على التدله بحب امرأة، وإنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسك الناس بها، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها، ولذلك يقول الله تعالى بعد ذلك مباشرة، وهو يهدم نظام التبني: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) } الأحزاب [1] . انتهى كلامه رحمه الله.

وممن أجاد في رد هذه الرواية, القاضي ابن العربي فقد قام رحمه الله بتفنيد هذه الرواية تفنيدا علميا محكما, فجزاه الله خير الجزاء, حيث قال: وما وراء هذه الرواية غير معتبر, فأما قولهم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآها فوقعت في قلبه فباطل, فإنه كان معها في كل وقت وموضع, ولم يكن حينئذ حجاب, فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة, ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج, وقد وهبته نفسها, وكرهت غيره, فلم تخطر بباله, فكيف يتجدد له هوى لم يكن, حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة ..

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُ: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} طه: 131.والنساء أفتن الزهرات وأنشر الرياحين, فيخالف هذا في المطلقات, فكيف في المنكوحات المحبوسات, وإنما كان الحديث أنها لما استقرت عند زيد جاءه جبريل: إن زينب زوجك, ولم يكن بأسرع أن جاءه زيد يتبرأ منها, فقال له: اتق الله, وأمسك عليك زوجك, فأبى زيد إلا الفراق, وطلقها وانقضت عدتها, وخطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يدي مولاه زوجها, وأنزل الله القرآن المذكور فيه خبرهما, هذه الآيات التي تلوناها وفسرناها, فقال: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أمسك عليك زوجك, واتق الله في فراقها, وتخفي في نفسك ما الله مبديه؛ يعني من نكاحك لها, وهو الذي أبداه لا سواه. وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى إذ أوحى إليه أنها زوجته لا بد من وجود هذا الخبر وظهوره؛ لأن الذي يخبر الله عنه كائن لا بد أن

(1) الغزالي: محمد"فقه السيرة", خرج أحاديثه الشيخ ناصر الدين الألباني, دار الشروق القاهرة, الطبعة الأولى 1421 هـ/2000 م, ص 341,340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت