فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 206

غير أن هناك من المفسرين المدققين, والعلماء المحققين, ممن جعلوا الأدلة مرآتهم فأبصروا النور والحق المبين, فانبروا وتصدوا للرد على هذه الرواية الباطلة, وقاموا بدحض الشبه التي تطعن في شخصه - صلى الله عليه وسلم -.

من هؤلاء القاضي عياض المالكي رحمه الله فقد وجدت له كلاما رائعا, في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى, قال فيه:"فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين:"

المأخذ الأول: يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، والمتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم [1] .

المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح، وقد أعاذنا الله من صحته ولكن على كل حال فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين" [2] , ثم ذكر أحاديث وبين ضعفها."

وقال الإمام القرطبي عند قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) } الحج. بعد أن ذكر بعض الروايات: ومما يدل على ضعفه أيضا وتوهينه, من الكتاب قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) } الإسراء.

فإنهما تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكان يركن إليهم, فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري وثبته, حتى لم يركن إليهم قليلا, فكيف كثيرا، وهم يروون في أخبارهم الواهية

(1) عياض أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي"الشفا بتعريف حقوق المصطفى", تقديم وتحقيق طه عبد الرؤوف سعد, خالد بن محمد بن عثمان, مكتبة الصفا, القاهرة, الطبعة الأولى 1423 هـ/2002 م, ج 2 ص 98.

(2) المصدر السابق: ج 2 ص 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت