أريد تنبيهكم إلى أن مصطلح الناسخ والمنسوخ عند العلماء يطلق على نوعين: أحدهما المعنى الاصطلاحي الذي نتحدث عنه، والآخر ما كان فيه تقييد المطلق أو تخصيص العام، ونحوه فيسمونه منسوخًا وناسخًا، ولربما ظن من لا يعرف أنه من جنس النوع الأول الذي هو إزالة حكم بحكم متراخ عنه، وهو ليس كذلك، وعليه فلا تظنن كل كلمة ورد فيها ناسخ ومنسوخ أنها من النوع الذي نتحدث عنه.
بخصوص آيتي المواريث، كان العرب في الجاهلية لا يتبعون نظامًا معينًا في الإرث، وفي مجملهم كانوا لا يورثون النساء، لا، بل كان كثير منهم لا يورث من الذكور إلا من أطاق حمل السلاح، فجاء القرآن أولًا يخبرهم بأن هناك حقوقًا للأقربين في أموالهم، وأمرهم بالوصية لهم بالمعروف والعدل ومراعاة قرابتهم، وأن ذلك {حَقاًّ عَلَى المُتَّقِينَ} (البقرة: 180) ، فلما استقر هذا في أذهانهم قسم الله المواريث بينهم بقسمته، فلا حق لهم بالوصية للورثة، فقد قسم الله لكل حقه.
أما آية {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (البقرة: 115) فليست منسوخة بآية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} (البقرة: 144) ؟ بل لكل منهما محله، فمن جهل القبلة صلى إلى أي جهة شاء {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، وكذلك المتنفل يصلي إلى أي جهة لو كان يصلي على الدابة أو في السيارة، لأنه أينما يصلي {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، وقد ورد في سبب نزولها أن الصحابة صلوا في سفر إلى غير القبلة، ثم خافوا أن تكون صلاتهم غير مقبولة، فأنزل الله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، فالآية غير منسوخة.
وإليك ما قاله كبير المفسرين الطبري: «والصواب أن يقال ليست الآية ناسخة ولا منسوخة، لأن العلماء قد تنازعوا القول فيها، وهي محتملة لغير النسخ، وما كان محتملًا لغير النسخ؛ لم نقلْ فيه ناسخ ولا منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، فأما ما كان يحتمل المجمل والمفسر والعموم والخصوص فعن النسخ بمعزل، ولا سيما مع هذا الاختلاف» (الناسخ والمنسوخ لابن النحاس، ص 67) .
أنتظر بقية أجوبتكم، شاكرًا لكم اهتمامكم.