و إذ وصلنا إلى ختام هذا البحث و بعد أن رأينا تفصيل عناصر خطته في الفصول الثلاثة السابقة وانطلاقا من النتائج المتوصل إليها في كل فصل، و بالجمع بينها، يمكن القول أننا أجبنا على الجزء الأول من الإشكالية وهو تبيان مظاهر توظيف الظاء و مستوياته في القرآن الكريم، و يبقى لنا استنادا إلى هذه النتائج أن نجيب على الجزء الثاني من الإشكالية وهو:
هل يمكن اعتبار توظيف الظاء في القرآن مظهرا من مظاهر الإعجاز الصوتي القرآني؟
و تكون الإجابة على هذا التساؤل بربط مجموع النتائج المتوصل إليها و التي تؤكد تناسق
وانتظام توظيف الظاء، مع العصر الذي نزل فيه القرآن و جميع الملابسات والظروف المحيطة بذلك.
فرغم نزول القرآن على مهل منجما في ثلاث وعشرين سنة، و باختلاف المكان و الزمان و المناسبة، مما يستدعي اختلاف المعنى والسياق والمقام، نجد رغم ذلك كله أن توظيف الظاء في القرآن كان منسقا و متوازنا و منتظما بصفة تنفي أي احتمال للمصادفة أو التكلف، و إن لم يقع هذا الأمر للإنسان مصادفة، ولن يأتي به تكلفا مهما حاول واجتهد فليس له أن يأتي بمثل هذا على عفويته و سليقته و فطرته، ولو كان من معه له ظهيرا.
و لذلك فلا يمكن أن يكون هذا التوظيف المنسق والمتوازن والمنتظم إلا في كلام من قال:
(إن كل شيء خلقناه بقدر) [1] ، و إذا كان المتكلم و الخالق واحدا، فالقرآن كتاب الله المتلو، والكون كتاب الله المشاهد، ولن يتعارض المتلو مع المشاهد، وسيكون المتلو منتظما كانتظام المشاهد و منسقا كتناسقه، و متوازنا كتوازنه، وانطلاقا من هذه المقدمة فالنتيجة الحتمية هي أن توظيف الظاء في القرآن يمثل مظهرا من مظاهر الإعجاز الصوتي في القرآن.
و إذ سلمنا بالإعجاز الصوتي في توظيف الظاء بعد هذه الدراسة، فبقي لنا من باب التأكيد التفصيلي أن نبين باختصار أوجه هذا الإعجاز والتي يمكن حصرها في أربعة أوجه هي:
كمية التوظيف/كيفية التوزع/تحقيق التلاؤم/تلازم الإيحاء.
و سنرى تفصيل ذلك بعد أن نورد المخطط الذي يبين هذه الأوجه:
(1) - سورة القمر، الآية 49.