فئة انطلت عليهم الحيلة فحملوها مخلصين لها جاهلين حقيقة الشورى في الإسلام وجاهلين حقيقة الديمقراطية، فظنوا حقيقة أن الإسلام ديمقراطي، وأخذوا ينادون بذلك، ولم يدر بخلدهم أمر بسيط كان الأولى بهم أن يدركوه لانه من البساطة غني عن البيان، كان يكفيهم أن ينتبهوا إلى مصدر الديمقراطية، ومصدر الإسلام فإن اختلف المصدران كان الاختلاف حقيقة، ولا يجوز أن يقال أن هذا غير ذلك، وبنظرة بسيطة لا تحتاج إلى الكثير من العمق والتدبر يدركون أن مصدر الإسلام الوحي ولا شيء غير الوحي، وكيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليعطي أمرا في مسألة ما حتى ينزل الوحي بها. وقد كان ينتظر الوحي في مسألة لم ينزل حكمها، وقد كان ينتظر الوحي في كل مسألة يم ينزل حكمها، وما منهم من أحد إلا قرأ قوله تعالى (إن هو إلا وحي يوحى [1] وقد تعددت الحوادث التي سئل فيها رسول الله ولم يجب حتى فاقت الحصر، فأين هي الشورى والاستشارة في مجال التشريع، كان يكفي القائلين بذلك الالتفات إلى مصدر التشريع في الإسلام ومصدره في الديمقراطية حتى يتبين لهم بطلان ما ذهبوا إليه.
أما جهالتهم بالديمقراطية، فليس لهم العذر فيها ذلك لأنها نظام حكم ومنهاج حياة يطبق الآن على كثير من دول العالم، والدول التي يعيشون فيها، ومن أبسط الأمور أنهم لا بد سمعوا عن ما يسمى بالهيئة التشريعية، أو الهيئة التأسيسية ولا بد أنهم لو أمعنوا النظر قليلا لعرفوا أن الهيئة التأسيسية تقوم على وضع الدستور، كما تقوم الهيئة التشريعية بسن القوانين والأحكام وكافة التشريعات، فكيف يمكن التوفيق بين شرع نزل من عند اله سبحانه وتعالى وتشريعات وضعية تقوم فئة من الناس بوضعها.
وأما جهالتهم بالشورى، ولو أن فيها بعض العذر وذلك مما عمّت به البلوى إلا أن الأمر لا يحتاج إلى كثير من العمق في التفكير، والسعة في الإطلاع، فإنه من حياتنا اليومية، ومن تصرفات أبسط الناس حين يحز به أمر فإنه يلجأ إلى استشارة من يرى عنده الصواب، أو من له سابق تجربة، أو عنده علم في مثل هذه الأمور فحين يمرض الإنسان فلا يذهب إلى المهندس، أو الميكانيكي لأنه يعرف مرض السيارة أو إلى البيطري لأنه يعرف مرض الحيوانات، بل يذهب إلى الطبيب البشري أو إلى الطبيب المختص بمثل مرضه.
(1) النجم الآية 4.