عندهم، فالعلماء يتواضعون لهم، ويذلون لموضع طمعهم فيهم، وهم لا يحفلون بهم؛ لما يعلمونه من احتياجهم إليهم، فرأيت هذا عيبًا في الفريقين.
أما في أهل الدنيا، فوجه العتب أنهم كانوا ينبغي لهم تعظيم العلم، ولكن لجهلهم بقدره فاتهم، وآثروا عليه كسب الأموال.
فلا ينبغي أن يطلب منهم تعظيم ما لا يعرفون ولا يعلمون قدره.
وإنما أعود باللوم على العلماء، وأقول: ينبغي لكم أن تصونوا أنفسكم التي شرفت بالعلم عن الذل للأنذال.
* مما أفادتني تجارب الزمان: أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحدًا ما استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه، مهما كانت منزلته، وإن الإنسان ربما لا يظن الحاجة إلى مثله يومًا ما، كمالًا يحتاج إلى عويد منبوذ لا يلتفت إليه.
لكن كم من محتقر احتيج إليه، فإذا لم تقع الحاجة إلى ذلك الشخص في جل نفع وقعت الحاجة في دفع ضر.
ولقد احتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام، ما خطر لي قط وقوع الحاجة إلى التلطف بهم.
واعلم أن المظهرة بالعداوة قد تجلب أذى من حيث لا تعلم؛ لأن المظاهر بالعداوة كشاهر السيف ينتظر مضربًا، وقد يلوح منه مضرب خفي، وإن اجتهد المتدرع في ستر نفسه، فيغتنمه ذلك العدو.
فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في أن لا يظاهر بالعداوة أحدًا، لما بينت من وقوع احتياج الخلق بعضهم إلى بعض، وإقدار بعضهم على ضرر بعض.
وهذا فصل مفيد، تبين فائدته للإنسان مع تقلب الزمان.