ذلك، فقال: ذهن صاف، وهمٌّ بعيد، ونفس تتوق إلى معاني الأمور، مع عيش كعيش الهمج الرعاع، قيل: فما الذي يبرد غليلك؟ قال: الظفر بالملك، قيل: فاطلبه، قال: لا يطلب إلا بالأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: العقل مانع، قيل: فما تصنع؟ قال: سأجعل من عقلي جهلًا، وأحاول به خطرًا لا ينال إلا بالجهل، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به، فإن الخمول أخو العدم.
فنظرت إلى حال هذا المسكين، فإذا هو قد ضيع أهم المهمات وهو جانب الآخرة، وانتصب في طلب الولايات، فكم فتك وقتل؟ حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا، ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين، ثم اغتيل، ونسي تدبير العقل، فقتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال.
* ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول فيمن يخالطه، ويعاشره ويشاركه، ويصادقه، ويزوجه، أو يتزوج إليه، ثم ينظر بعد ذلك في الصور، فإن صلاحها دليل على صلاح الباطن.
وإن المرأة الحسناء إذا كانت من بيت رديء، فقل أن تكون صينة، وكذلك المخالط والصديق والمعاشر.
وقد روى أبو بكر الصولي قال: حدثني الحسين بن يحيى، عن إسحاق، قال: دعاني المعتصم يومًا، فأدخلني معه الحمام، ثم خرج فخلا بي، وقال: يا أبا إسحاق، في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه.
إن أخي المأمون اصطنع قومًا فأنجبوا، واصطفيت أنا مثلهم فلم ينجبوا، قلت: ومن هم؟ قال: اصطنع طاهرًا وابنه، وإسحاق، وآل سهل، فقد رأيت كيف هم، واصطنعت أنا الأفشين فقد رأيت إلى ما آل أمره، وأسناش فلم أجده شيئًا، وكذلك إيتاخ ووصيف.