الغضبان: أترى بي بأس، أوَ مجنون أنا؟ اذهب) [1] .
قال ابن حجر رحمه الله: «قوله: (اذهب) هو خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ، أي امضي في شغلك. وأخْلِق بهذا المأمور أن يكون كافرًا، أو منافقًا، أو كان غلب عليه الغضب، حتى أخرجه عن الاعتدال بحيث زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان من وهج الغضب بهذا الجواب السيئ» [2] .
والناظر في حال هذا الرجل يرى كيف فعل به الغضب كل هذا الفعل حتى أنه ردَّ وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإرشاده له بالتعوذ من الشيطان، ثم كيف ردَّ على هذا الناصح له بهذا الرد القاسي!
قال النووي رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: «لهذا يخرج به - الغضب - الإنسان عن اعتدال حاله، ويتكلم بالباطل، ويفعل المذموم، وينوي الحقد والبغض، وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ عنه» [3] .
وكذلك انظر إلى خطئه بسبّه الرجل، وما ذلك إلا من الغضب!!
2 -في قصة أبي مسعود البدري حيث قال رضي الله عنه: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعتُ صوتًا خلفي: (أعلم أبا مسعود) فلم أفهم الصوت من الغضب قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو يقول: (اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود) قال: فألقيت السوط من يدي فقال: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا) وفي رواية: فقلت: يا رسول الله هو حرّ لوجه الله، فقال: (أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار) .
وفي رواية: (أنه كان يضرب غلامه فجعل يقول: أعوذ بالله. قال: فجعل يضربه. فقال: أعوذ برسول الله فتركه) [4] .
قال النووي رحمه الله: «فجعل يقول: (أعوذ بالله) فجعل يضربه فقال: (أعوذ برسول الله فتركه) ، قال العلماء: لعله لم يسمع استعاذته الأولى لشدة غضبه، كما لم يسمع نداء النبي - صلى الله عليه وسلم -» [5] .
وفي هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صحَّح خطأه ذلك بالترهيب له وتخويفه
(1) تقدم تخريجه ص 166.
(2) فتح الباري 10/ 482.
(3) شرح صحيح مسلم 6/ 125.
(4) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب صحبة المماليك حديث رقم (1659) .
(5) شرح صحيح مسلم 4/ 290.