وهذه الشروط وغيرها تبيّن أن الضّرب لا يتجاوز حدّه، حيث أن الغرض منه هو التّصحيح، أما ما ورد في السنة المطهرة من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استخدم الضّرب لتصحيح الخطأ فهو محمول على ضرب التنبيه والإيناس لأصحابه الكرام رضي الله عنهم.
وقد تقدم في أول المبحث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضرب بيده قط، فهذا في أمر الانتقام للنفس.
وتصحيح الأخطاء بالضّرب يشمل النّوعين معًا، ضرب الإيلام، وضرب التّنبيه، لأن الغرض من ذلك - بلا شك - هو إرجاع المخطئ للصواب وتصحيح خطئه.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد ورد عنه استخدام الضّرب بيده لتنبيه أصحابه. فورد أنه ضرب لأجل لفت الانتباه، وورد كذلك أنه ضَرب على فخذه تعجبًا، وأسفًا مما فعله الطرف الآخر، وبالمثال يتضح المقال، ومن الأمثلة ما يلي:
1 -روى الترمذي عن قيس بن سعد بن عبادة أن أباه دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخدمه. قال: فمرّ بي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وقد صليتُ فضربني برجليه وقال: (ألا أدلّك على باب من أبواب الجنة؟) قلت: بلى. قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) [1] .
ففي هذا الحديث نجد «أنه - صلى الله عليه وسلم - ضرب برجله الشريفة قيسًا رضي الله عنه عند التعليم، ولم يكن ذلك إلا للتّنبيه. قال العلامة المباركفوري في شرح الحديث: (فضربني برجله) أي للتّنبيه» [2] .
وقد جاء التصحيح على صورة التنبيه للفت النظر إلى أفضلية هذا القول ... - لا حول ولا قوة إلا بالله -، خشية عدم إدراك هذه
(1) أخرجه الترمذي كتاب الدعوات باب (122) في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله حديث رقم (3581) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (2834) 3/ 183.
(2) النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - معلمًا ص 66.