قال الشيخ صالح بن محمد الأسمري
مسألة صبغ الشعر بالسواد مقامان:
أولهما: مقام اتفاق، وفيه مسألتان:
الأولى: استعمال الصبغ بالسواد في الحرب والجهاد، حيث اتُّفِق على جواز ذلك، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: ويُسْتثنى من ذلك ـ أي: النهي عن الصبغ بالسواد ـ المجاهد، اتفاقًا، وحكاه أيضًا القسطلاني رحمه الله في إرشاد الباري لشرح صحيح البخاري: وعِلَّته: إرهاب العدو، قاله ابن عَلاّن رحمه الله في دليل الفالحين، وكذا غيره 0
الثانية: استعمال الصبغ بالسواد للتلبيس والخداع، كأَنْ تفعله امرأة عند الخِطْبة تدليسًا فهذا متفق على مَنْعِهِ وذمِّه، قال المباركفوري رحمه الله في تحفة الأحوذي (وهو - أي: الخضب بالسواد لغرض التلبيس والخداع - حرام بالاتفاق) ، لحديث: (من غشنا فليس منا) 0
الثاني: مقام اختلاف
حيث اختُلِف في غير المسألتين السابقتين على أقوال:
أولها: الكراهة، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وقولٌ عند الحنفية والشافعية اعتمده جماعة من أصحابهم، فقد جاء في أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك للكشناوي رحمه الله قوله: ويكره صبغ الشعر بالسواد، وفي حاشية العدوي قوله: ويكره صباغ الشعر الأبيض وما في معناه من الشقرة بالسواد، من غير تحريم، وجاء في مطالب أولي النهى للرحيباني رحمه الله قوله: وكُرِه تغيير الشيب بسواد في غير حرب، وحَرُمَ للتدليس، وفي الإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي رحمه الله قوله: ويكره بسواد، فإن حصل به تدليس في بيع أو نكاح: حَرُم، وجاء في حاشية ابن عابدين قوله: وبعضهم - أي: الحنفية - جوَّزه بلا كراهة، وجاء في المجموع شرح المهذب للنووي رحمه الله قوله: اتفقوا - أي: الشافعية - على ذم خضاب الرأس واللحية بالسواد، ثم قال الغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب: هو مكروه، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه 0
ثانيها: التحريم، وهو قول عند الشافعية صَوّبه النووي رحمه الله وجماعة، قال النووي رحمه الله في المجموع: اتفقوا - أي: الشافعية - على ذم خضاب الرأس واللحية بالسواد، ثم قال الغزالي في الإحياء، والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب: هو مكروه وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه، والصحيح بل الصواب: أنه حرام، وممن صَرّح بتحريمه صاحب الحاوي في باب الصلاة بالنجاسة، وقال رحمه الله في شرح مسلم: ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصُفْرة أو حُمْرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار: التحريم، وقد كان المشهور عن الشافعية: الكراهة، قال العيني رحمه الله في عمدة القاري: وعن الشافعية أيضًا روايتان، والمشهور يكره، وقيل: يحرم، لكن قال السفاريني رحمه الله في شرح ثلاثيات المسند: قال في الفروع: وللشافعية خلاف، ومُعْتَمد مذهبهم الآن: الحرمة، والمنقول عن الفروع لابن مفلح رحمه الله مسبوق بقوله فيه: ويكره بسواد، وفاقًا للأئمة، نص عليه - أي: الإمام أحمد رحمه الله، مع قوله في الآداب الشرعية: وعند الشافعية يستحب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرم بالسواد على الأصح عندهم 0