واستقصى أيضًا مؤلفاته الحافلة، الكثيرة الكاملة، الجامعة النافعة،
المتقنة المحررة، المعتبرة، فنافت على خمسمائة مؤلف [1] ، وشهرتها تغني عن ذكرها.
وقد اشتهرت أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقًا وغربًا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف، حتى قال تلميذه الداوودي: عانيت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرًا.
وكان مع ذلك يملي الحديث، ويجيب عن المتعارض فيه منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، رجالًا وغريبًا ومتنًا وسندًا واستنباطًا للأحكام منه.
وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث وقال: لو وجدت أكثر لحفظته، وقال: ولعله لا يوجد على الأرض الآن أكثر من ذلك [2] .
ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والاشتغال بعبادته صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأنه لا يعرف أحدا منهم، ثم شرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه:"التنفيس".
وأقام في روضة المقياس، فلم يتحول منها إلى أن مات، سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
قال عن نفسه رحمه الله في"حسن المحاضرة": سافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب.
ولما حجبت شربت من ماء زمزم لأمور: منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.
ورزقت التبحر في سبعة علوم: الحديث والتفسير والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع.
(1) قلت: بل هي نحو الألفين، ما بين رسالة وكتاب، كما ذكرته في ترجمته في كتابنا"فجر الساهد وعون الساجد"فلينظر.
(2) قد يفهم من هذا أن الأحاديث تنقص مع الأيام، وليس بصحيح، فالدين محفوظ والنص لا يذهب، وإنما تفرق الأحاديث في البلاد يجعلها مستعصية الجمع على من لم يكثر الرحلة، وطوي الآفاق، ويصرف غالب عمره في جمعه.