إلى آخر ما جاء في هذه الحكاية التي لو ذوكر بها لذاكرنا، وإنما ضربنا على سائرها هنا، خشية الخروج عن مقصد الكتاب.
وقد ظهر لنا من كلام البخاري رحمه الله - وهو من أعرف الناس بحدود العلم - أن هذا العلم لا ينبغي فيه التقصير، وأنه ليس يجزئ بعضه عن كله، ولا قليله عن كثيره، وأن الواجب لمن أراده صرف سائر الوقت المهيأ له فيه، مع شديد الاعتناء، وبذل الوسع، والحرص في الطلب، في سائر الأزمان من تارات العمر.
والذي يتأمل كلامه هذا، وكلام من سبقه من شيوخ الإسلام، وبدور الملة وأساطين الدين، ومحاسن، العصر، يعلم أن كلام هؤلاء جميعهم، إنما هو من مشكاة واحدة، ليس لهم في هذا الأمر إلا قول واحد.
وبهذا سبق الأولون الآخرين، وتربعوا على أسرة الملك، وتقابلوا على الأرائك متكئين، فأضحى علمهم وفقههم على منهاج النبوة، وصافي الطريف وسواء السبيل، وبقيت آثارهم تشهد لكبير المتابعة، وعظيم المعرفة، في إنزال الأحكام منازلها، وسارت بكتبهم الركبان في المشارق والمغارب، وضربت إليهم أعطان الإبل، حتى ارتفع شأوها، وبأن فضلها، وأيس من بعدهم أن يأتي بمثلهم. وبخل الزمان أن يأتي بهذا الضرب، أو أن يحوم حول تلك الحمي، - اللهم إلا ما تكلفت به نفحات مواسم الأيام، وكرائم الليالي.
فابك إن شئت ذهاب تلك القرون، ويبوس الرطب على العرجون، وأن لا تقر عينك بأمثال على بن المديني وأحمد بن حنبل.
ولقد طارح الفقه من بعدهم من ليسوا لذلك بأهل، ولا له بجوار، وهم المعدودون عند العوام أهل الخصوص، والاجتهاد والتمحيص، وقد عزت عنهم النصوص، ونازعتهم الأدوات، واضطربت عليهم الدعاوى، واختلفت عليهم الأقيسة، وقيدتهم سقطات ما أسموه بالأصول عن الوصول، ولعبت بهم واهي التعليلات، وأوهن الإشكالات.
فخرجوا على الناس ببضاعة مزجاة، يحسبون البهرج دينارًا، والقطمير قنطارًا، والسواقي بحارًا.
وأما الذي تفطن منهم بعد طيّ طومار الهذيان، خرج فنادي على الناس، وكان أمثلهم طريقة: أوف لنا الكيل وتصدّق علينا.