التجسيم والتشبيه - على رأي المؤلف - إنكار جميع الآيات التي بهذا المعنى، ولا يقول بهذا مسلم، فكما صرفت ألفاظ تلك الآيات إلى المجاز تصرف ألفاظ بعض الأحاديث أيضًا إلى ذلك، لأن بعض الأحاديث جاءت على سنن ونهج القرآن الكريم. وإذا أبى أن تصرف هذه الأفاظ إلى المجاز قلنا له: يلزم من هذا أن تسير المدينة - في مثالنا- بأبنيتها ومساجدها وبيوتها وأشجارها، وهذا لا يعقل ولا يتصور، وهو خلاف العادة والعرف، لذلك وجب صرفه إلى المجاز، من غير أن نرد ذلك الأصل اللغوي، الذي عليه العرب، أدباؤهم وفصحاؤهم وعامتهم منذ عرفهم التاريخ، وعلى هذا الأصل نحمل بعض آيات القرآن الكريم وبعض أحاديث الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - [1] .
فيا ترى: ما الذي يدعو إلى المحالة والاستغراب والامتناع؟، إن كان وجه الإنكار هو أن الله يضع رجله، ففي القرآن جاء اثبات اليد، والوجه، والعين، والمجيء، وغير ذلك لله قال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلَلِ الإِكْرَامِـ} . [الرحمن 27] وقال تعالى: {كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} [القصص 88] قال تعالى: {وَقالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} [المائدة 64] وقال تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لمِاَ خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} [ص 75] وقال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنى وَلِتُصْتَعَ عَلَى عَيْنِى} [طه 39] .
وبالجملة، فإن تحكيم العقل في مسألة الألوهية، وصفاتها من سخافة العقل نفسه، ولا تؤدي عند هؤلاء المغترين بعقولهم، إلا إلى الإلحاد غالبًا، فخير للعقل،"وهذا"
(1) العجاج ص 238 - 239.