فهرس الكتاب
ولما كان هذا القول كفرًا سافرًا، ووقاحة متبجحة، لجأ إبليس وجنوده إلى أسلوب الإخفاء والتمويه، وبدأ يسلك السبل التي تؤدي إلى تقديم الأهواء على كلام الله - جل جلاله - وكلام رسله صلوات الله عليهم.
فإن أول كفر وقع وهو كفر إبليس، وكل كفر حدث ويحدث بعده إلى أن تقوم الساعة، مهما تنوعت أشكاله، وتفرعت شعابه، وتراكمت ظلماته، فإن مرده ومرجعه إلى الأسِّ الأول وهو (تقديم الأهواء على كلام الله تعالى وكلام رسله عليهم صلوات الله أجمعين) ومطية هذا الأس هو التضليل والتزوير بالأسماء والمسميات. فأصل الدين الذي لا يقبل الله غيره من العباد وهو الإسلام؛ أصل هذا الدين (الاستسلام لطاعة الله) ، وأصل الكفر (عدم الاستسلام) الناجم عن تقديم الأهواء، سواء كانت هذه الأهواء أهواء الكافر نفسه أو أهواء غيره.
فأصل دعوة الرسل جميعًا الدعوة إلى عبادة الله وطاعته قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا منْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [1] .
وعندما أهبط الله آدم - عليه السلام - قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا منْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمنْ تَبِعَ هُدَايَ فََلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون َ} [2] .
فلا يوجد إذن إلا خياران: إما اتباع الهدى أو اتباع الهوى. فمن اتبع الهدى الإلهي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن اتبع الهوى فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فكلٌ يختار ما يتبع ويلقى النتيجة المترتبة.
وقد عمل إبليس على إضلال بني آدم من حيث ضل، وسلك بهم الطريق نفسه الذي سلك، ليصل وإياهم إلى النهاية نفسها التي أوعده ربنا - جل جلاله -، لذا فإن عبادة الأهواء التي يسمونها عقولًا بدأت بوقت مبكر. وبمراجعة ما وصل إلينا من التاريخ نرى أن اليونان هم أول من فصَّل وأصَّل في هذه العبادة، واتبعوا طريق إبليس في تأليه العقل، وسلكوا في ذلك
مسالك شتى، فمدار كل المدارس الفلسفية اليونانية على تأليه العقل، سواء اتبعوا:
-مدرسة سقراط [3] الذي يقول بـ - (العقل بالقوة، وهو عنده استعداد النفس لقبول المعقولات) ،
(1) 1. ... سورة النساء: 64.
(2) 2. ... سورة البقرة: 38 - 39.
(3) 3. ... سقراط: (469 - 399 ق. م) تقول كتب تاريخ الفلسفة أن سقراط ولد سنة 469 ق. م، وتعلم الفلسفة وأثر فيها تأثيرًا كبيرًا حيث إن اسمه يشطر الفلسفة اليونانية إلى شطرين؛ ما قبله وما بعده. اشترك في حروب أثينا ودخل مجلس الشيوخ فعرف بالنزاهة واستقلال الرأي بين الديموقراطيين والأرستقراطيين، جعل الفلسفة والحكمة شعبية ومجانية. قال بإله واحد ونفى عن الإله الشر والخصام الذي كان سائدا في آلهة أثينا وقال أن الإله يرعانا، وقال إن النفس لا تفسد بفساد البدن بل تخلص بالموت من سجنها، حوكم من أجل هذه الآراء وحكمت المحكمة الديموقراطية عليه بالموت سنة 399 ق. م.
وأما فلسفته فكان يرى أن لكل شيء طبيعة أوماهية هي حقيقية يكشفها العقل وراء الأغراض المحسوسة ويعبر عنها بالحد؛ وأن غاية العلم إدراك الماهيات أي تكوين معانٍ تامة الحد فكان يستعين بالاستقراء ويتدرج من الجزئيات إلى الماهية المشتركة بينها ويرد كل جدل إلى الحد والماهية فيسأل ما الخير وما الشر وما العدل وما الظلم، ما الحكمة وما الجنون، ما التقوى وما الإلحاد؟ وهكذا فكان يجتهد في حد الألفاظ والمعاني حدًا جامعًا مانعًا ويضيف الأشياء إلى أجناس وأنواع، ليمتنع الخلط بينها في حين كان السوفسطائيون يستفيدون من اشتراك الألفاظ وإبهام المعاني ويتهربون من الحد الذي يكشف المغالطة فهوأول من طلب الحد الكلي مطردًا وتوسل إليه بالاستقراء. وإنما يقوم العلم على هاتين الدعامتين يكتسب الحد بالإستقراء ويركب القياس بالحد. فقد ميز بصفة نهائية بين موضوع العقل وموضع الحس وغير روح العلم تغييرًا تامًا]. [مختصرا من تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص 50 وما بعدها]