ولئن كان ضلال علم الكلام، أقل من ضلال الاعتزال، وضلال الاعتزال أقل من ضلال الفلاسفة والباطنيين، إلا أنه كله ضلال في ضلال، ويصل في الكثرة الغالبة من أقاويله إلى الكفر الصريح. ومصيبة المأمون أنه استنصر بضلال ليهزم ضلالًا، وكما قال شوقي في قصيدته عن الأرانب عندما أراد أحد قادتهم أن يستنجد بالثعلب ضد الفيل، فقال له آخر:
ما هكذا يا صاحب السمو ... = ... لا يهزم العدو بالعدو.
وكما وصف الإمام ابن تيمية المعتزلة بأنهم مخانيث الفلاسفة، وأهل علم الكلام بأنهم مخانيث المعتزلة، فقال: [ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون إن له صفات سبعا الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وينفون ما عداها وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها وأما المعتزلة فإنهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة أو إضافية أو عدمية وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا أن الصفات كلها ترجع إلى سلب أو إضافة أو مركب من سلب وإضافة فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل ومن رزقه الله معرفةً ما جاءت به الرسل وبصرًا نافذًا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعًا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه ويقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والأشعرية مخانيث المعتزلة] [1] .
ومنهم من جمع بين الَضلالين الأفلاطوني والسقراطي على ما بينهما، واستطاع الماسون استغلال الفريقين من إخوان الصفا والحشاشين ومن أهل علم الكلام والمعتزلة على الرغم ما بينهما من التباين والتناقض بتسخيرهم في خدمة الأهداف الماسونية، ذلك لأن كلا الطرفين قد ابتعد عن الشرع. وكان الغالب على الباطنيين والشيعة والمتصوفة والمعتزلة ظاهرة الشعوبية، والتي كانت تحمل رواسب كبيرة من الثقافات الفارسية والهندية امتزجت مع الفلسفة اليونانية التي ترجمها وهيأها المحفل الماسوني، فنرى أن أول من ترجم كتب اليونان هذه هو عبد الله بن المقفع الفارسي الزنديق المتوفى سنة 140 هـ، وابنه المتوفى سنة 170 هـ، والنصراني يوحنا البطريق المتوفى سنة 200 هـ، والنصراني حنين بن إسحاق المتوفى سنة 260 هـ، وابنه إسحاق المتوفى سنة 298 هـ.
(1) - مجموع الفتاوى (6/ 358) .