إخوان الصفا [1] ، ومن أخذ عنهم من الفلاسفة الذين يدَّعون الإسلام، والفرق الباطنية الضالة، والجهمية الذين تاهوا في شعاب الباطل بتنكبهم عن كلام ربهم إلى طريق إبليس.
هذه المدارس التي تم ترجمة كتبها استنتج من تعاليمها القول بعصمة الأئمة الشيعة الاثنا عشرية، أو عصمة الإمام عند الإسماعيلية والقرامطة الذين هم فرع من الإسماعيلية، والحشاشين النصيرية، وضُلاّل الصوفية والتي أصبحت تشكل تهديدًا للدولة، مما دعا المأمون للاستنجاد بفلسفة سقراط وأرسطو المبنية على المقدمات المنطقية [2] والعقل التجريدي، ليواجه به الفكر الغنوصي والذي نشأ عنه الضلال الاعتزالي وضلال علم الكلام [3] .
(1) - إخوان الصفا: وهم الأساس الأول للفرق الباطنية [وأساس مذهبهم أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية] .
وفي رسائل إخوان الصفا [بحث مستفيض من قبل نظرية النشوء والارتقاء] .
[وقد ذكر إخوان الصفا في رسالتهم الثانية أن علومهم مأخوذة من أربعة كتب أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات.
الثاني الكتب المنزلة التي جاءت بها الأنبياء مثل التوراة والإنجيل والفرقان وغيرها من صحف الأنبياء المأخوذة معانيها بالوحي من الملائكة وما فيها من الأسرار الخفية.
والثالث الكتب الطبيعية وهي صور وأشكال الموجودات ...
والرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة كرام بررة وهي جواهر النفوس أجناسها وأنواعها وجزئياتها وتصاريفها للأجسام وتحريكها لها وتدبيرها إياها وتحكمها عليها وإظهار أفعالها بها ومنها حالًا بعد حال في ممر الزمان وأوقات القرانات والأدوار].
[ثم تدرج إخوان الصفا من هذه الفصول إلى نظرية كون العالم إنسانا كبيرا وكون الإنسان عالما صغيرا وهي النظرية التي قال بها بعض فلاسفة اليونان وأشار إليها ابن سينا في قوله إن الإنسان انطوى فيه العالم الأكبر. واتخذها"سبينسر"أساسا لبحثه في علم الاجتماع فقالوا في معرفة قول الحكماء، إن العالم إنسان كبير إنهم يعنون بالعالم السموات والأرضين وما بينهما من الخلائق أجمعين، وأنهم يرونه جسما واحدا بجميع أفلاكه وأطباق سمواته وأركان أمهاته ومولداتها، ويرون أيضا أن له نفسا واحدة سارية قواها في جميع أجزاء جسمها كسريان نفس الإنسان الواحد في جميع أجزاء جسده ... وشرحوا معنى القيامة بأنه إذا فارقت النفس الجسد قامت قيامته] مختصرًا عن تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، محمد لطفي جمعة، ص 253 .. وما بعدها
(2) - المنطق: هوعلم بقوانين التفكير الكلية، التي قد تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، وموضوعه المعلومات التصورية والتصديقية، وغايتة الإصابة في الفكر وحفظ الرأي عن الخطأ في النظر. والأمر ليس كذلك فالمنطق علم وضعي اصطلاحي وليس من الأمور الحقيقية العلمية، بل هومن الأمور الحقيقية الفطرية التي تعلم بما فطر الله تعالى عليها بني آدم من أسباب الإدراك. وعلى ذلك لا يصلح أن يكون ميزانا للعلوم العقلية، ولا أن يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الرد على المنطقيين ص/ 26 - 27.
وأول من دون المنطق وجمعه وهذب طرقه الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس 300 ق. م. وقد سمي بالمعلم الأول، ثم هذب على يد الفارابي 339 هـ المسمى بالمعلم الثاني، ويقال إن عبد الله بن المقفع أول من ترجم كتب المنطق الأرسطي، ... فبينما يجعله الغزالي أحد شروط الاجتهاد حيث قال: من لا علم له بالمنطق لا ثقة في علومه. فعلى العكس من ذلك يقول السيوطي في صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام: (وأخرج الهروي عن طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال: لعلك من أصحاب عمروبن عبيد، لعن الله عمرا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولوكان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام الشرعية ولكنه باطل يدل على باطل) . ثم يعقب السيوطي بقوله: هذا النص من مالك يصرح بالعلة في تحريم الكلام كما تقدم عن الشافعي واعتمدها ابن الصلاح في المنطق وكذا سائر أئمة المسلمين، والذين نصوا على تحريم علم الكلام وعللوه بكون السلف لم يتكلموا فيه. فيخرج على أصولهم تحريم المنطق لوجود هذه العلة فيه ص/ 303. ويفصل ابن تيمية في المنطق وأهله فيقول:"وأما هوفي نفسه -المنطق- فبعضه حق وبعضه باطل، والحق الذي فيه كثير منه أوأكثره لا يحتاج إليه، فأكثر الفطر السليمة تستقل به ..."مجموع الفتاوى (9/ 269) نقلا من الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب مع الاختصار ص (2/ 1162 - 1164) ."
(3) - علم الكلام: علم حادث في الملة كما يذكر ابن خلدون، وله عند أصحابه عدة تعريفات منها: أنه علم يبحث فيه عن أحوال الواجب (الله) وأحوال الممكن (ما سوى الله تعالى) من حيث المبدأ والمعاد. ومنها أنه العلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية عن دليل قاطع عقلي أوسمعي أووجداني. وأيضا أنه"علم يقتدر معه إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه"وهوعند أرسطوومناطقة المسلمين قياس مؤلف من مشهورات ومسلّمات والمعرفة بالقواعد والحدود في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه. ولقد استعان المعتزلة بتراث النصارى من الملكانية والنسطورية للرد على خصومهم، ثم سلك المتكلمون نفس المسلك، وقد ذم السلف الصالح علم الكلام والمشتغلين = =به على المعنى السابق المبتدع، حيث أدخل فيه من الدلائل والمسائل التي لم تأت في الكتاب والسنة ولم يتكلم فيها الصحابة والتابعون، ... قيل للإمام أبي حنيفة رحمه الله: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال:"مقالات الفلاسفة!! عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة.، ويقول أبويوسف:"مَن طلب الدين بالكلام تزندق". ويقول الإمام الشافعي رحمه الله:"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد"ويقول:"إذا سمعتم الرجل يقول الاسم غير المسمى، والشيء غير المشيء فاشهدوا عليه بالزندقة"ويقول الإمام أحمد رحمه الله:"لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في علم الكلام إلا وفي قلبه دغل"وأخرج الهروي في ذم الكلام وأهله عن إبراهيم الخواص أنه قال:"ما كانت زندقة ولا كفر ولا بدعة إلا من قبل الكلام والجدال والمراء".نقلًًا مع الاختصار والتصرف من الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (2/ 1106 - 1108) .