الإدراك الصحيح، لا بد من وجود قوة أخرى تستخرج هذه الأشياء من حالة الصور الحسية السلبية إلى حالة المدركات العقلية العامة. لأن كل معرفة كما قلنا معرفة بالكلي، وهذه الوظيفة الجديدة هي التي ينسبها أرسطو إلى قوة أخرى يسميها العقل الفعال، ويلاحظ في هذا العقل أنه يأتي بالصور الخاصة، فيحيل الصور الحسية التي هي في حالة القوة إلى حالة صور بالفعل، أعني أن مهمة هذا العقل أن ينقل حالة الصور بالقوة، على حالة صور بالفعل، ولكن هذا يفترض أيضا أن العقل في هذه الحالة ما دام فاعلا فلا بد أن يكون حاصلا من قبل على هذه الصورة، وهذه الصور العقلية الصرفة، تستلزم بالتالي أن يكون هذا العقل المخرج لها، والناقل لها من حالة القوة إلى حالة الفعل، صورة صرفة هو الآخر. فكأن العقل الفعال صورة خاصة أو ماهية تامة، أعني أننا هنا خرجنا خروجا تاما عن منطقة الحس.
وهنا تبدأ الصعوبة الكبرى في نظرية العقل الفعال، فإننا نجد أرسطو من ناحية يقول إن كل معرفة مرتبطة بمعرفة حسية، بينما نجده من ناحية أخرى يقول إن المعرفة صادرة عن صور عقلية، وإن مصدر هذه الصورة العقلية صورة خالصة أي عارية عن كل مادة، فنحن في هذه الحالة سنضطر إذن إلى أن نجعل هذا العقل من ميدان آخر يختلف تمام الاختلاف عن ميدان العقل المنفعل، والنتيجة التي تستخلص من هذا مباشرة هي أن هذا العقل الفعال عقل عار لا صلة له مطلقا بالمحسوس، وعلى الرغم مما هنالك من صعوبة في تصور هذا التصعد بين هذا العقل المنفعل والعقل الفعال، وفي إمكان هذا الاتصال بين الصورة الخالصة وبين الصور الحسية، فهناك إلى جانب هذا مسألة رئيسة هي مسألة اتصال العقل الفعال بالجسم. فقد رأينا أن أرسطو يقول إن لكل جسم نفسه الخاصة، وإنه لا مجال للتفرقة إطلاقا بين الجسم وصورته أو بين الجسم وبين النفس الحالة فيه. ولكننا نجد هنا أن هذا العقل الفعال قد أصبح ينتمي إلى نوع آخر من الوجود لا يمكن أن يتصل بالجسم، وذلك لأنه صورة خالصة، فكيف يتم إذن الاتصال بين هذه الصورة الخالصة وبين الجسم المادي؟.
الواقع أننا نجد أرسطو هنا يصف هذا العقل الفعال دائما بأنه في مرتبة الألوهية إن لم يكن عقلًا إلهيًا صرفًا. فهو يصفه تارة بأنه خالد غير قابل لكون أو فساد، وتارة أخرى يصف هذا العقل بأنه بسيط خال من كل مادة، صورة صرفة وفعل محض، أي أنه يضيف إلى العقل الفعال كل الصفات التي يضيفها إلى الألوهية، فلم يكن غريبا إذن أن يأتي الشراح وعلى رأسهم إسكندر، فيفسروا هذا العقل الفعال بأنه الله وقد دخل في أفكارنا، أو الله وهو يفكر في داخلنا. ويؤيد هذا أيضا ما يقوله أرسطو من أن هذا العقل الفعال يأتي من خارج إلى الجنين. وعلى كل حال، فالمشاهد أن أرسطو لم يدرك ما وقع فيه من تناقض هنا، بل تذبذب بين الحسية الخالصة وبين العقلية المجردة، أي بين الاسمية وبين الواقعية. ولعله لم يحاول أن يضع لنفسه هذه المشكلة ولكنها على كل حال قد أصبحت من أخطر المسائل التي ثار الجدل حولها كثيرا طوال العصور الوسطى، خصوصا بعد أن شرح ابن رشد نظرية العقل الفعال شرحا جديدا متأثرا في ذلك -كما تأثر المسلمون جميعا - بنظرية العقول الأفلاطونية المحدثة] [1] .
والمدرسة الأفلاطونية الغنوصية هي المدرسة الأساس التي تم ترجمة كتبها، وتأثر بها الماسون ومحفلهم الرئيس
(1) - موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي 1/ 120 - 121.