وقال المسيري:[وربما تكون مركزية رموز آلات البناء تعبيرا عن النسق الهندسي والآلي الكامن في الماسونية، وعن رغبة التحكم في كل من الذات الإنسانية والكون من خلال صيغ رياضية (ولعل المقارنة هنا مع فلسفة سبينوزا وطموحه نحو لغة رياضية هندسية دقيقة مقارنة لها دلالة عميقة)
لا يمكن إذن فهم الماسونية إلا بوضعها في السياق الفكري وكما يعرف دارسو تاريخ أوربا فإنه بعد ظهور فكر عصر النهضة ولد فكر عصر العقل والاستنارة والإيمان بالقانون الطبيعي والعلمانية الشاملة هي نزع القداسة عن العالم الإنسان والطبيعة والإيمان بفعالية القانون الطبيعي في كافة مجالات الحياة الطبيعية والإنسانية وإنكار أي غيب، وإلا لما أمكن التحكم في الكون والإنسان والطبيعة وتوظيفه واستخدامه وتحويله إلى مادة استعمالية، وقد انعكس هذا في فكرة الإنسان الطبيعي العقلاني أو الأممي وهو إنسان عام لا يتميز عن إنسان آخر، صفاته الأساسية عامة، أما صفاته الخاصة فلا أهمية لها، وهو إنسان عقلاني إن أعمل عقله بما فيه الكفاية لتوصل إلى نفس الحقائق التي يتوصل إليها الآخرون بغض النظر عن الزمان والمكان، ومن ثم يمكن لهذا الإنسان أن يصل إلى فكرة الخالق بعقله بدون حاجة إلى وحي إلهي أو معجزات، أي دون الحاجة إلى دين مرسل، أي أن الإنسان الطبيعي العقلاني العالمي الأممي يمكنه أن يتوصل بعقله إلى الإيمان بدين طبيعي عقلاني عالمي.
ويمكن القول إن الدين الطبيعي أو الربوبية كما كانت تدعى هو تعبير عن معدل منخفض من العلمنة أو تعبير عن علمانية جنينية، فهي تستجيب لحاجة أولئك الذين فقدوا إيمانهم التقليدي بالدين ولكنهم لا يزالون غير قادرين على تقبل عالم اختفى منه الخالق تماما، أي أنهم بشر جردوا العالم من الدين والقداسة واليقين المعرفي والأخلاقي، ولكنهم احتفظوا بفكرة الخالق في صيغة باهتة لا شخصية، حتى لا يصبح العالم فراغا كاملا، والفكر الربوبي لا يطالب من يؤمن به أن يتنكر لدينه إذ إن المطلوب هو أن يعيد المؤمن تأسيس عقيدته لا على الوحي وإنما على قيم عقلية مجردة منفصلة تماما عن أي غيب، أي منفصلة عن الأنساق الدينية المألوفة للتفكير. فالربوبية في واقع الأمر هي فلسفة علمانية تستخدم خطابا دينيا أو ديباجات دينية للدفاع عن العقل المادي المحض وعن الرؤيا التجريبية المادية. ومن ثم فهي وسيلة من وسائل علمنة العقل الإنساني] [1] .
ويقول المسيري: [وإن أردنا تلخيص فكر أولى الماسونيات التي نقابلها ولنسمها"الماسونية العقلانية"أو"الماسونية الربوبية"لقلنا إنها تنادي بتوحيد كل البشر من خلال العقل، كما تنادي بإسقاط الدين مع الاحتفاظ بالخالق خشية الفوضى الشاملة، ولذا فقد جاء في تعريف الماسوني أنه (ذكر بالغ يلتزم بالنسق الديني الذي يوافق عليه جميع البشر) وهذا هو الإيمان بالخالق أو الكائن الأسمى"مهندس الكون الأعظم"أو الإيمان بالجوهر العقلي للدين والذي يمكن للعقل أن يصل إليه] [2] .
وقال أيضا: [وقد اكتشف الإنسان الغربي منذ عصر نهضته بعد ظهور ماكيا فيللي وهوبز وفكرة القانون الطبيعي وضعف الإطار المسيحي التقليدي واندماج سلطة الكنيسة الدنيوية أن المطلق الوحيد هو الدولة، وأن مصلحتنا العليا هو المطلق الأخلاقي الأسمى. ومثل هذه الفلسفة تضع الخالق والغيب في موضع هامشي بل والأهم من هذا أنها تعلم الإنسان وتجعله يستبطن هذه القيمة المطلقة حتى يخضع لإرادة الدولة بدلا من إرادة
(1) - اليد الخفية - عبد الوهاب المسيري، ص / 122.
(2) - اليد الخفية - عبد الوهاب المسيري، ص / 123.