فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 392

زمان، فكان قوة كاملة وفعلا تاما، وكان علة العلل وأصل الوجود وغايته معا. ورد في الحديث القدسي: (أول ما خلق الله العقل، فقال بك أعطي وبك أمنع) . وقد شرح هذا الحديث الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في رسالته"فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة"- ثم سرد أقوال الغزالي مُدعمًا موقفه بها وقال بعد ذلك:

والعقل، حسب معتقد التوحيد، هو فعل الإبداع. وهو يصدر عن فيض تنزه الطاقة وكمالها بإمداد المهيمن له بالقوة التامة والنور الفائض. ولقد تعالى المهيمن عن إلزام المبدِع والمبدَع والإبداع. فالعقل هو الأمر من قبل ومن بعد. وقد نزل المبدَع الأول في تعقله وخلقه مضطرا بذلك بعد أن أفاض عليه المهيمن نورا وقوة.

إن فعل الإبداع هذا الذي هو العقل الأول والموجود الأول هو إذن العلة الأولى للوجود. يقول الفيلسوف الفاطمي أحمد حميد الدين الكرماني في كتابه"راحة العقل": إن الأول إن لم يثبت وجوده لم يكن للثاني طريق إلى الوجود، والثاني إن لم يثبت وجوده لم يكن للثالث طريق إلى الوجود. وإذا لم يكن للثاني والثالث وجود إلا بثبوت وجود ما يكون أولا لهما وسببا لوجودهما. فمن وجود الثالث والرابع وغيرهما من الموجودات قيام الدليل على وجود أول لهما وسبب لولاه لما وُجد ما سواه. فقد ثبت للموجودات بوجودها مبدأ أول عنه ترتبت في الوجود وذلك المبدأ الأول نسميه العقل الأول والموجود الأول الذي وجوده لا بذاته بل بإبداع المتعالي سبحانه إياه.

وطالما أن العقل الأرفع يعي المهيمن في انبثاقه من فيضه فلا يتميز عنه في جوهره ووحدته، فما كان لهذا العقل أن يفطن إلى وجود صورته. ولكنه ما لبث بحكمة غير مدركة أن تحول نظره إلى نفسه، فرآها دون نظير يشاكلها، فأُعجب بها؛ والإعجاب انفراد المبدَع بذاته عن الإبداع، ولو فترة من التخلي والالتفات إلى ما سوى النور المحض وغيبه عنه. فولدت ظلمة الأنيّة في مقابلة النور الفائض المشرق من ذات الوجود. وكان انبثاق الثنائية من الأحدية المحض: نور وظلمة في البدء، ثم ازدواجات شتى من الكائنات والأغراض في سلم تنزل فعل الخلق من اللطيف الأول إلى الكثافة المتنوعة.

ثم إن العقل الأرفع تنبه إلى منحنى هذا التحول فعاد ببصيرته إلى الجوهر الأول الذي تنزه عن فعل الخلق ووعى حقيقته كما هي، صورة نورانية في فيض نور المهيمن الأزلي ... والموحدون يعتقدون أن اعتماد العقل الأدنى إنما هو خطوة ضرورية تقود الإنسان في تطلعاته إلى استكشاف هذا العقل الأرفع والتمثل به واعتماده في إدراك الحقيقة الأخيرة، ولا يتمكن المرء من تحرره هذا ما لم يخضع نزعاته وعواطفه ورغباته تلك إلى عقله فيحكمه فيها ليهيئه هذا العقل بدوره لتقبل العرفان الأصيل] [1] .

ويقول عبد الله النجار: [في كتابه مذهب الدروز والتوحيد في معرض الكلام عن أسرار معتقد التوحيد إن أصحاب المذهب - أي الدروز - لا يطلعون عليها إلا كل مختار أمين، مشهود له بصحة اليقين في مراحل تثبّت وامتحان، أشبه ما تكون بأساليب الدخول في الماسونية والتدرج في مراتبها، بما فيها من علامات وشيات، ورموز وإشارات] [2] .

(1) - أضواء على مسلك التوحيد الدرزية- سامي نسيب مكارم- تقديم كمال جنبلاط، ص / 81 - 84.

(2) - أضواء على مسلك التوحيد الدرزية- سامي نسيب مكارم- تقديم كمال جنبلاط، ص / 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت