يثبتوا لله - جل جلاله - شيئًا؛ بل كله نفي، والنفي ليس بمكرمة. فلو قلت لأحدهم إنك لست ابن زنى، ولا تفعل فعل قوم لوط، ولا سارقًا، ولا لئيمًا، ولا ديوثًا، ولا خائنًا، ولا أكولًا، ولا مجرمًا، ولا قوادًا، ولا خبيثًا .. الخ فلا يقبل هذا، ولا يعده مدحًا ولا تنزيهًا، ولاعتبر القائل يسخر منه، فكيف تجرؤوا على نفي صفات الكمال عن رب العالمين؟!!.
كما نفوا رؤية الله في الآخرة، وردُّوا الآيات والأحاديث، مثل قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة - إلى ربها ناظرة} [1] .
وسنسرد بعض أقوالهم لنرى مدى انحرافهم عن الجادة نتيجة لتقديم العقل على النقل، وسلوكهم طريق إبليس والماسونية. فلقد أوجبوا على الله فعل الأصلح، وألزموه بتحقيق وعيده، وأنه لا يجوز أن يعفو، فكان من نتائج ذلك التالي: [قالت المعتزلة - حاشا ضرار بن عمرو:"إن الله عز وجل لا يقدر البتة على لطف يلطف به الكافر ... والله عز وجل ليس في قوته أحسن مما فعل بنا وأن هذا الذي فعل هو منتهى طاقته وآخر قدرته التي لا يمكنه ولا يقدر على أكثر] [2] ."
ويرى أبو الهذيل العلاف أن لقدرة الله نهاية حيث يقول: [لم يقدر الله بعد ذلك على شيء أصلا ولا على خلق ذرة فما فوقها، ولا على إحياء بعوضة ميتة ولا على تحريك بعوضة فما فوقها، ولا على أن يفعل شيئًا أصلًا] [3] .
وأجمعت المعتزلة [أن أبا لهب وامرأته سيصليان النار كافرين ثم قطعوا كلهم بأن أبا لهب وامرأته كانا قادرين على الإيمان وعلى ألا تمسهما النار وأنهما كان ممكنًا لهما تكذيب الله عز وجل وأنهما كانا قادرين على إبطال علم الله عز وجل وعلى أن يجعلاه كاذبا في ... قوله - هذا نص قولهم -] [4] .
وقال إبراهيم بن سيَّار النظام: [إن الله تعالى لا يقدر على إخراج أحد من جهنم ولا إخراج أحد من أهل الجنة منها] [5] .
وقال النظام والعلاف: [إن الله لا يقدر من الخير على أصلح مما عمل] [6] .
وقال أبو المعتمر معمر بن عمر البصري أحد أئمة المعتزلة: [بأن في العالم أشياء موجودة لا نهاية لها ولا يحصيها الباري تعالى ولا أحد أيضا غيره ولا لها عنده تعالى مقدار ولا عدد] [7] . وكان يقول أيضًا: [إن الله تعالى لا يعلم نفسه ولا يجهلها لأن العالم غير المعلوم ومحال أن يقدر على الموجودات أو أن يعلمها أو أن
(1) - سورة القيامة: 22.
(2) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (5/ 57) .
(3) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 58.
(4) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 59.
(5) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 59.
(6) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 59.
(7) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 60.