يجهلها] [1] .
وكان الجاحظ يقول: [إن الله تعالى لا يقدر على إفناء الأجسام البتة، يفرقها ويفرق أجزاءها فقط، وأما إعدامها فلا يقدر على ذلك أصلا] [2] .
[وأما عباد بن سليمان تلميذ هشام الفوطي فكان يزعم أنه لا يجوز أن يقال إن الله خلق المؤمنين ولا أنه خلق الكافرين ولكن يقال خلق الناس وذلك لأن المؤمن عنده إنسان وإيمان والكافر إنسان وكفر وأن الله تعالى إنما خلق عنده الإنسان فقط ولم يخلق الإيمان والكفر] [3] .
[وقالت المعتزلة بأسرها - حاشا بشر بن المعتمر وضرار بن عمرو - أنه لا يحل لأحد تمني الشهادة ولا أن يريدها ولا أن يرضاها لأنها تغلب كافر على مسلم] [4] .
[وقال المعتزلة كلهم - حاشا ضرار وبشر - أن الله لم يمت رسولا ولا نبيا ولا صاحبًا ولا أمهات المؤمنين وهو يدري أنهم لو عاشوا فعلوا خيرا ولكن أمات كل من أمات منهم إذ علم أنه لو أبقاه طرفة عين لكفر أو فسق ولا بد] [5] .
واضطرهم تقديم العقل على النقل إلى تأويل الآيات، كما مر معنا من كلام الزمخشري؛ بل بعضهم كعمرو بن عبيد صرح بأنه تمنى لو حكَّ بعض الآيات من القرآن.
أما الأحاديث فلقد ابتدعوا بدعة التفريق بين حديث الآحاد والمتواتر في إفادة العلم، فقرروا أن الآحاد لا يفيد العلم. فإذا علمنا أن ما رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمهات كتب الحديث يربو على مئة ألف حديث، وأن المتواتر المتفق على تواتره لفظًا يكاد لا يكون منه حديث واحد على الشروط الموضوعة، وأما ما تواتر معنويًا فما اتفق عليه لا يتجاوز ثلاثين حديثًا، وأما المتساهلون فأوصلوا الأحاديث المتواترة معنويًا إلى ثلاثمائة حديث، كالإمام جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني، والسيوطي، فإذا علمنا ذلك عرفنا أن المتواتر لفظيًا غير موجود، أما معنويًا فيكاد يكون حديثًا واحدًا من كل خمسة آلاف حديث، وبقانون وضعي وضعه المعتزلة وأفراخهم رُدَّت أحاديث الآحاد، وأصبحت لا تفيد العلم. وعند أفراخهم المعاصرون لا تفيد شيئًا ونضرب على ذلك مثالًا مما رده المعتزلة:
فلقد رَدُّوا حديث الرؤيا، وهذا نصه كما أورده البخاري: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: {إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} قَالَ إِسْمَاعِيلُ افْعَلُوا لا
(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 61.
(2) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 62.
(3) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 63.
(4) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 69.
(5) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ص / 70.