أجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة. كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في التشبيه وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث] [1] .
والماتريدية اعتبرت نفسها في هذا الموضوع على نفس طريقة الأشاعرة، واعتبرت أئمة الأشاعرة أئمة لهم. ولا خلاف في تقديم العقل على النقل، ولهذا تراهم يقولون عن أئمة الأشاعرة ما يشعر بذلك.
قال الفرهاري في شرح العقائد: [الإمام الرازي هو العلامة ملك المتكلمين أبو عبد الله محمد بن عمر. كان أشعري الأصول شافعي الفروع، الملقب بالإمام في كتب الأصوليين والحكمة وقد صنف كتبًا كثيرة في الأصول والكلام وله التفسير الكبير المحتوي على العجائب ... وذكر بعضهم أنه كان حسن الشكل جدا واحتال أبوه على ذلك برسم صورة حسنة على القرطاس والنظر إليها عند الإنزال] [2] .
وقال كمال الدين البياضي الحنفي الماتريدي: [إنهم - يعني الماتريدية والأشعرية - متحدو الأفراد في أصول الاعتقاد وإن وقع الاختلاف في التفاريع بينهما] [3] .
وقال عصام الدين الحنفي الماتريدي: [ولك أن تجعل الماتريدية في من تبعهم - أي الأشعرية -] [4] .
ولقد صرح الحنفية الماتريدية الديوبندية أنهم أشعرية وماتريدية في آن واحد [5] .
ونتيجة لتقديم العقل وتحكيمه بالنصوص وصلوا إلى نتائج مزرية نذكر عليها مثالًا واحدًا وهي صفة العلو لله.
قالوا: [يلزم من علوه تعالى أن الله تعالى في جهة وأنه محاط وكل ذلك وصف الخلائق] [6] . [ولو كان في جهة لزم قدم المكان والجهة والحيز، ولزم كونه جوهرا وجسما ومركبا، أو يكون محلا للحوادث] [7] .
وبناءً على هذه الشبهة حرفوا نصوص العلو وعطلوا الصفة ووصفوا الله بصفات سلبية فقالوا: [إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه وأنه ليس في الجهات الست ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف] [8] .
وقالوا: [إنه ليس على العرش ولا على غيره ولا فوق العرش] [9] .
(1) - شرح المقاصد (2/ 50) .
(2) - النبراس في شرح العقائد، ص / 85 - 86.
(3) - إشارات المرام، ص / 52.
(4) - النبراس في شرح العقائد، ص / 229.
(5) - المهند على المفند، ص / 29 - 30.
(6) - كتاب التوحيد للماتريدي، ص / 70.
(7) - شرح المواقف للجرجاني (8/ 20) ، وشرح العقائد النسفية ص / 40.
(8) - بدء الأمالي مع شرح ضوء المعالي، ص / 23، والطريقة المحمدية ص / 17.
(9) - أصول الدين لأبي اليسر البزدوي ص / 28.