ويقول: [فالفيلسوف اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون[1] ، لا يمكن إلا أن يكون جزءًا من ذلك البناء الفلسفي الذي أسهم في تشييده عديد من الفلاسفة العرب المسلمين، من أمثال أساتذته ابن سينا وابن رشد وغيرهما من الأعلام.
ومثل ابن ميمون في ذلك، الفيلسوف اليهودي ابن كمونة [2] الذي عاش وفكر وأنتج في هذا الإطار، بل ومن
(1) - موسى بن ميمون: (1135 - 1294 م) فيلسوف وطبيب يهودي أندلسي المولد، يعتبر أكبر مفكر يهودي في القرون الوسطى، غادر الأندلس إلى شمال أفريقيا ثم استقر في القاهرة، وعيِّن طبيبًا في بلاط الأيوبيين، من آثاره"دلالة الحائرين"بالعربية، وحاول فيه إظهار التعارض بين الفلسفة والدين. وشرحه على"المشنا"وهوبالعبرية.
وأهم آراؤه الفلسفية ضمنها في كتابه دلائل الحائرين، وقرر فيه تعارض العقل مع ما جاء به النقل (التوراة) ، وفي صفات الله عز وجل يقرر موسى صفات السلب متأثرًا بالفلسفة اليونانية التي تأثر بها المعتزلة، والله عنده هوالعلة الفاعلة والعلة الصورية والعلية الغائية، والله عقل محض، والنبي لا بد أن تتوافر فيه قدرة عقلية ممتازة وقدرة تخيل ممتازة، فإذا ما وجدت هاتان القوتان واقترن بهما السلوك الصالح كانت النبوة ظاهرة طبيعية.
[مختصرًا من موسوعة الفلسفة وموسوعة المورد ٍ]
(2) - ابن كمونة (1215 - 1285) ابن كمونة اسم الشهرة واسمه الحقيقي (سعد بن منصور بن سعد بن الحسن الإسرائيلي) . عاش في بغداد وعَمل مع الغزاة المغول، الوثنيين! ارتبطت شهرته بكتابه الجديد في الحكمة وهوالكتاب الذى نال اهتمامًا خاصًّا من المتفلسفين من زراري المسلمين وأعضاء الجماعات اليهوديَّة، مع أنَّ لابن كمونةَ مؤلفاتٍ أخرى، مثل التذكرة في الكيمياء وشرح كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا، وشرح كتاب التلويحات العرشيَّة للسهروردي، وتنقيحِ الأبحاث في الملل الثلاث. وهذا الكتاب الأخير مطبوع مع ترجمة للإنجليزيَّة (جامعة كاليفورنيا 1967، نشرة موسى برلمان) أما الكتب الأخرى فهى في حكم المفقود، ويتناول الكتاب النقاشَ الدائر بين أتباع الديانات الثلاث (اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام) ويبدأ بفصل تمهيدي عن النبوَّةِ بشكل عام، ثم يُتبعه بفصول عن النبوَّة في الديانات الثلاث كما يتبدَّى في الكتاب اتجاه ابن كمونةَ مع ما يسمونه العقلانيَّة ولكنْ مادَّةُ الكتاب في معظمها اقتباساتٌ من كتابات ابن سينا والغزالي وموسى بن ميمون (دون أن يعيَّنَ المصدر) . وقام بنشر كتابه تنقيح الأبحاث للملل الثلاث (دار الأنصار) المصرية، قالت الدار في مقدمته: بأنها نهدف إلى (تبصير المسلمين وعلماء الإسلام بحقيقة أمر كتاب تنقيح الأبحاث الذي ألفه سعد ابن منصور بن كمونة اليهودي لإثارة البلبلة بين المسلمين وتشكيكهم في أمر دينهم، مما حدا بدار الأنصار أن تتبنى نشر هذا الكتاب من خلال محققه الأستاذ الفاضل الدكتور عبد العظيم المطعني ليؤكد بالدليل الواضح بطلان وافتراء اليهودي ابن كمونة ومن ساعده لإخراج كتابه الذي دفع به الحقائق وطمس الثوابت، ليجعل من أوهامه تاريخا ومن أحلامه حقائقا، ولكن الله على كيدهم لقدير.
ثم قال المحقق:[فإذا تجاوزنا الفصل الأول من فصوله الأربعة، وهوفصل تحدث فيه المؤلف عن (النبوات) وصاحبناه في الفصل الثاني الذي وقفه على الحديث عن عقيدته (اليهودية) وجدنا المؤلف ابن كمونة قد (نصب) من نفسه (دفاعا) مخلصا عن اليهودية والمآخذ الموجهة إليها، دافع عنها رسولا ورسالة وكتابا وعقيدة وشريعة، كما دافع عن (الخرافات) التي شحن بها اليهود (التوراة) عن الله وعن الرسل، وعن الإنسان فلا مانع عنده لا شرعا ولا عقيدة أن يزني لوط بكلتا ابنتيه؟! ولا مانع أن يزني يهوذا بامرأة ابنه ولا مانع أن يزني داود بزوجة قائد جيشه أوريا ثم يتآمر عليه ويقتله ويتزوجها من بعده. ولا مانع عنه أن يرتد سليمان بن داود في آخر حياته ويعبد الأصنام والأوثان والآلهة من دون الله! ولا مانع عنده أن يجتمع شيوخ بني إسرائيل بالله، وأن يروا موضع قدمية ّّ وأن يأكلوا ويشربوا في حضرته في (خيمة الاجتماع)
ولا مانع أن يكون الله قد سكن في بيت بين بني إسرائيل!! ولا مانع أن يكون ذلك البيت فيه عدد من الشقق مصنوعة من البوص وشعر المعزة!! بل لا مانع أن يخاف الله من خلقه وأن يسعى بينهم بالفتنة ليفرق شملهم حتى لا يتحدوا عليه ويغلبوه، لا مانع من هذا الهوس الوارد في التوراة، بل لا مانع أن يأكل الله لحوم البشر ويحلوله مذاق لحمهم المشوي.- تعالى الله عما يقول الكافرون علوًا كبيرا- كل هذا وارد في التوراة، ومع هذا فإن التوراة عند المؤلف وشيعته لم يلحقها تحريف ولا تبديل ... ؟
وإذا فحصنا ما كتبه ابن كمونة في الفصل الثالث عن المسيحية وجدناه يعمد أولا فيورد كل المآخذ التي تؤخذ عليها، ثم يكر عليها فيدافع عنها واحدا واحدا، ومن أبرز ما دفع عنه هذا الرجل الغريب كون المسيح له طبيعتان لاهوتية وناسوتية، ثم كون الثلاثة واحدا ولعل هذا الدفاع يفسر لنا السر في اشتراك مسعود بن أرجوك المسيحي معتقدا في إخراج هذا الكتاب .. ؟؟
وفي النهاية يرى ابن كمونة أن عقائد النصارى بما فيها خلط بين اللاهوت والناسوت وبما فيها من جعل الثلاثة واحدا، فبالناسوت كان هوالقائم بعد موته والمخلص وابن الله -سبحانه- هذه العقائد عند ابن كمونة فوق النقد، وكل من يحاول نقدها فهوجاهل أومشنع مجرد تشنيع. لقد دافع ابن كمونة عن النصرانية دفاعا حارا مثلما دافع عن يهوديته وغرائبها.
أما الفصل الرابع الذي خص به الإسلام فقد ارتدى ابن كمونة وهويتحدث عنه ثوب المدعي العام بعد أن ارتدى في الحديث عن اليهودية والمسيحية ثوب المحامي الهمام.
وباختصار أنه في حديثه عن اليهودية والمسيحية جعل كل الأوهام حقائق وثوابت، وفي حديثه عن الإسلام جعل كل حقائقه الثوابت أوهاما، فلم يسلم منه لا رسول الإسلام، ولا كتاب الإسلام -القرآن- ولا عقائد الإسلام، ولا المسلمين ولا الإسلام، كل هذه الحقائق عند هذا المؤلف -الحاقد- سحابة قاتمة لا تلبث أن تزول، أوهي -حسبما خيل إليه حقده وشيطانه وجهله وكفره- زائلة بالفعل ساعة أن وضع ابن (الكمونة) كتابه، وحين وضع الله ابن كمونة هذا -الفاجر- ووضع كتابه في سجين، وما أدراك ما سجين ... ؟
أدار ابن كمونة حديثه عن الإسلام على محور واحد مكون من ستة دعائم، أما المحور فهوثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أولا ثبوتها، وأما الدعائم فهي دلائل ستة قال أن المسلمين يستدلون بها على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم راح يذكرها بالتفصيل وينقدها واحدا أثر واحد حتى يوهم قارئه أن نبوة محمد عليه السلام غير ثابتة ما دامت أدلتها محل نزاع أورد. وهدف المؤلف -طبعا- أن يثير الشكوك حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن قرر ثبوت نبوة موسى عليه السلام ثم نبوة عيسى عليه السلام والوصية.
وإلى القارئ بعض الشبهات التي أثارها ابن كمونة في كتابه هذا ضد الإسلام، ليقيس القارئ مالم نذكر على ما ذكرنا، فإن كلام ابن كمونة سيظل كلاما مالم نتعرض له، فإذا تعرضنا له لوكانه وجهه وجه الشمس لاسود.
يدعي هذا الحاقد أن بعض كاب الوحي في عهد النزول كانوا يرتدون حين يقفون على وجه (التزيد) الذي كان - عليه السلام- يلحقه بالقرآن ساعة ينزل؟؟ ويقول أن من هؤلاء المرتدين عبد الله بن سعد بن أبي سرح!! ومن مزاعمه أن القرآن فيه تحريف، ويذكر مثلا له بقوله تعالى (فتثبتوا) وهي قراءة في (فتبينوا) في قوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)
ويدعي أن قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ... ) أنه من الزيادات التي ألحقت بالقرآن، إما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أوحال حياته بإرادة منه، أوأن بعض أهل الكتاب زلف إلى رسول الإسلام فقال له مضمون هذه العبارات على أنها واردة في الإنجيل، فصدق عليه السلام هذه الإدعاء ووضعه في القرآن على أنه منه؟!! هكذا يزعم هذا الرجل الممسوخ، وإلى هذه الدرجة تجرأ أوتهور على رسول الإسلام وكتاب الإسلام.]
أنكر أن يكون أن محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا وأنه بعد التمكين أباح لنفسه سائر الملذات وأمر زيدًا أن يطلق زوجته ليتزوجها وجمع كثيرا من الإماء والسراري والنساء وتوسع في لذائذ الأطعمة واستبد بالخمس وقاتل وغزا لجمع الأموال. وبالمقابل دافع عن الملل الأخرى مثل البوذية والمزدكية وغيرها
وقال ابن الفوطي في الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة. سنة 683 وفيها اشتهر ببغداد أن عز الدولة بن كمونة اليهودي صنف كتابا سماه (الأبحاث عن الملل الثلاث) عرض فيه بذكر النبوات، وقال ما نعوذ بالله من ذكره، فثار العوام وهاجوا، واجتمعوا لكبس داره وقتله، فركب الأمير نمكاي، شحنة العراق، ومجد الدين بن الأثير، وجماعة الحكام، إلى المدرسة المستنصرية، واستدعوا قاضي القاضاة والمدرسين لتحقيق هذا، وطلبوا ابن كمونة، فاختفى. واتفق ذلك اليوم يوم الجمعة، فركب قاضي القضاة للصلاة، فمنعه العوام، فعاد إلى المستنصرية، فخرج ابن الأثير ليسكن العوام، فأسمعوه قبيح الكلام، ونسبوه إلى التعصب لابن كمونة والذب عنه، فأمر الشحنة النداء في بغداد بالمباكرة في غد إلى ظاهر السور لإحراق ابن كمونة، فسكن العوام، ولم يتجدد بعد ذلك له ذكر. وأما ابن كمونة فإنه وضع في صندوق مجلد وحمل إلى الحلة وكان ولده كاتبا بها. فأقام أياما وتوفي هناك.