فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 392

ذا الذي يستطيع أن ينكر أثر ابن رشد على الفلاسفة اليهود والذي امتد حتى عهد قريب وترك بصماته على كثير من جوانب فكر (اسبينوزا) [1] وخاصة في نظرته لقضية وحدة الوجود.

(1) - باروخ دي اسبينوزا Baruch De Spinoza ا (1632 ـ 1677) فيلسوف هولندي، من أسرة يهودية أندلسية، هاجرت بعد استيلاء الملوك الكاثوليكيين سنة 1492 على غرناطة، وصدور مرسوم الملك فرديناند بطرد اليهود منها، وملاحقة محاكم التفتيش لهم. فكان آخر عهدهم بالتسامح الذي نعموا به في ظل العرب مدة قرون. تلقى تعليمه الأولي في مدرسة عبرية، ثم انتقل إلى المدرسة الإكليركية في بيريرا. وأشرف والده على تعليمه فأتقن لغات عديدة منها الإسبانية والبرتغالية والعبرية. كما ألم بالثقافة الغربية السائدة القائمة على العناية بالتراث القديم (اليوناني واللاتيني المسيحي) . ودرس الرياضيات والطبيعيات وشيئًا من مبادئ الطب. ثم انتقل إلى دراسة كوبيرنيك وغاليلووكبلر وهارفي وديكارت وجيوردانوبرونو، ألف في هذه الأثناء كتابه «رسالة موجزة في الله والإنسان وسعادته» . ولما سافر إلى رينسبورغ شرع في تأليف «رسالة في إصلاح العقل» . ونزولًا عند رغبة أصدقائه بالإدلاء برأيه في بعض مسائل فلسفة ديكارت ألف كتابه «مبادئ فلسفة رينيه ديكارت» .

وتأثر بديكارت، ويمكن إعطاء لمحة موجزة عن فلسفته، من خلال ثلاثة كتب تعد رئيسة فيها، وهي: «رسالة في إصلاح العقل» و «الأخلاق» ، و «رسالة في اللاهوت والسياسة» .

فهويبدأ الكلام على الجوهر ويرى أنه واحد، وأنه يبدوطبيعة طابعة في الله، وطبيعة مطبوعة في العالم؛ فالله والعالم واحد، ثم ينتقل إلى الكلام على الإنسان؛ ويرى أنه حال من أحوال الجوهر؛ فالإنسان، بما هوجسم، حال من أحوا ل الامتداد؛ وبما هونفس، حال من أحوال الفكر. ويدرسه في انفعالاته وإرادته. ويرى أنه خاضع للضرورة السببية. فلا هويضع غايات أفعاله، ولا هوحر في تنفيذها. فالحرية التي يشعر بها خداع؛ لأنه لووعى حقيقته لأدرك أنه محكوم بضرورة كلية. وهذا يعني، أن أخلاقه أخلاق ضرورة، وأنها تابعة للضرورة السارية في أجزاء العالم كلها؛ وأن حكمته تتطلب منه أن يراعي هذه الضرورة، التي فيها خلاصه في نهاية المطاف.

يقوم اسبينوزا بثورة في التفكير الديني والسياسي، أراد بها أن يدخل نور العقل إلى هذين المجالين، فقد أراد ـ وفقًا لقاعدة ديكارت ـ ألا يقبل فيهما شيئًا على أنه حق ما لم يكن كذلك.

وهذا ما دفعه إلى أن يرى أن فكرة النبوة ليست واضحة ولا محددة، وأن ما يأتي به النبي هووليد الخيال، أكثر منه وليد العقل، وإن ما خالف العقل باطل. وحين طبق معيار الأفكار الواضحة في مجال السياسة أيضًا؛ رأى أنها تقوم على فكرة الحق الطبيعي، وهي فكرة واضحة ومحددة. وهي أن كل فرد له الحق في أن يحيا وفق طبيعته، سواء أكان جاهلًا أم حكيمًا، وهذا لا يوفره إلا النظام الديمقراطي، الذي يوافق العقل والطبيعة.

وبهذا نسف اسبينوزا ثنائيات الدين وثنائيات الديكارتية: فألغى تعدد الجواهر وثنائية الله والعالم. فالعالم لا وجود له إلا في الله وبالله. وألغى ثنائية الوحي والعقل؛ فلا علامة على الحقيقة غير موافقتها للعقل. وألغى ثنائية الميكانيكية الطبيعية وحرية الإرادة؛ ووحد بين العقل والإرادة، فرأى أن الضرورة كلية، وهي تهيمن على ظواهر العالم المادي والأفعال الإرادية. مختصرًا من الموسوعة العربية

وأكد اسبينوزا أن معرفة الطبيعة يجب أن تكون عقلية؛ وحتى تكون كذلك، لا بد من تصور جوهر حقيقي يكون العلة الكلية لكل المعلولات الطبيعية الناتجة عنها، هذا الجوهر الواحد غير المتناهي هوالله، وإذا كان واحدًا، لم يكن هناك جوهر آخر أحدثه، وهذا يعني أنه علة ذاته.

وهويرى أن هناك صلة بين الدين والدولة، فاللاهوت الذي يأخذ به الدين ليس نظرية في الله فقط، بل يؤدي إلى نظام اجتماعي. كذلك العقائد الدينية فهي ليست عقائد خالصة، بل تؤدي إلى إقامة نظام سياسي. ومن هنا كانت حرية العقيدة مرتبطة بالحرية السياسية، فهي ضرورية هنا، كما هي ضرورية هناك: إذ من دونها لا يمكن أن يكوّن الناس رأيًا واضحًا يكون دليلهم في شؤون حياتهم.

لهذا لا يحق للدولة احتكار الفكر، ولا التدخل في حرية تفكير المواطن، أوالانتصار لرأي فئة دينية على رأي فئة دينية أخرى. ففي مجال الدين تكثر الاتجاهات المختلفة، ولا يجمع الناس على رأي صحيح واحد يعدون ما خالفه خاطئًا. ولهذا لا يحق للدولة الانتساب إلى دين معين، ولا بد لها من أن تكون علمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت