الراضي الساكت إن كان باقيا على عهده وصلحه لم يجز قتاله ولا قتله في الموضعين وإن كان بذلك خارجا عن عهده وصلحه راجعا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح لم يفترق الحال بين عقد الهدنة وعقد الذمة في ذلك فكيف يكون عائدا إلى حاله في موضع دون موضع هذا أمر غير معقول توضيحه أن تجدد أخذ الجزية منه لا يوجب له أن يكون موفيا بعهده مع رضاه وممالأته ومواطأته لمن نقض وعدم الجزية يوجب له أن يكون ناقضا غادرا غير موف بعهده هذا بين الامتناع فالأقوال ثلاثة النقض في الصورتين وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله في الكفار وعدم النقض في الصورتين وهو أبعد الأقوال عن السنة والتفريق بين الصورتين والأولى أصوبها وبالله التوفيق وبهذا القول أفتينا ولي الأمر لما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته وكاد لولا دفع الله أن يحترق كله وعلم بذلك من علم من النصارى وواطؤوا عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجه من الوجوه أو رضي به وأقر عليه وأن حده القتل حتما لا تخيير للإمام فيه كالأسير بل صار القتل له حدا والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما لأحكام الله بخلاف الحربي إذا أسلم فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام فهذا له حكم والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله] [1] .
وهذه أمثلة من العصر الحديث: منها طلب النصيريون من فرنسا حمايتهم وتحريضهم على المسلمين: [وإليك ما طلبه النصيريون من فرنسا، ففي سجلات وزارة الخارجية الفرنسية وثيقة تحت رقم 3547 بتاريخ 15 - 6 - 1936 هذا نصها:
دولة ليون بلوم رئيس الحكومة الفرنسية.
إن الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله سنة فسنة بكثير من الغيرة والتضحيات الكبيرة في نفوس الشعب، وهو شعب يختلف في معتقداته الدينية وعاداته وتاريخه عن الشعب المسلم السني، ولم يحدث في يوم من الأيام أن خضع لسلطانه من الداخل.
إننا نلمس اليوم كيف أن مواطني دمشق يرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على عدم إرسال المواد الغذائية لإخوانهم المنكوبين في فلسطين، وإن هؤلاء اليهود الطيبين الذين جاؤوا إلى العرب المسلمين بالحضارة والسلام ونثروا على أرض فلسطين الذهب والرفاه، ولم يوقعوا الأذى بأحد ولم يأخذوا شيئا بالقوة، ومع ذلك أعلن المسلمون عليهم الحرب المقدسة بالرغم من وجود إنجلترا في فلسطين وفرنسا في سوريا.
إننا نقدر نبل الشعور الذي يحملكم على الدفاع عن الشعب السوري ورغبته في تحيق استقلاله ولكن سورية لا تزال بعيدة عن الهدف الشريف خاضعة لروح الإقطاعية الدينية للمسلمين. ونحن الشعب العلوي الذي مثله الموقعون على هذه المذكرة نستصرخ حكومة فرنسا ضمانا لحريته واستقلاله ويضع بين يديها مصيره ومستقبله وهو واثق أنه لا بد واجد لديهم سندا قويا لشعب علوي قدم لفرنسا خدمات عظيمة.
(1) - زاد المعاد 3/ 137