أنفسهم حرجًا مما قضيت والحرج: الضيق: بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه - صلى الله عليه وسلم -، بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا ... ، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه (تسليما) المبين أنه لا يكتفى ها هنا بالتسليم ... بل لا بد من التسليم المطلق.
وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} كيف ذكر النكرة وهي قوله (شيء) في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه (فإن تنازعتم) المفيد العموم، فيما يتصور التنازع فيه جنسًا وقدرًا، ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطًا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ... وقد قال تعالى: منكرًا على هذا الضرب من الناس، ومقررًا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحًا أن لا حكم أحسن من حكمه {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية، الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد.
وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا، وقد قال الله تعالى: في أمثال هؤلاء {أولئك هم الكافرون حقًا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله عز وجل ... {ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} ...
فانظر كيف سجل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ولا يكون كافرًا، بل هو كافر مطلقًا - ثم ذكر أشكال الحكم بغير ما أنزل الله إلى أن قال -
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتأصيلًا، وتفريعًا وتشكيلًا وتنويعًا وحكمًا وإلزامًا، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستندات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلهذه المحاكم مراجع: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة.