التنفيذ والتقنين والحكم على جميع أفعال المكلفين، وعن كونه منهجًا عامًا وعمليًا ودستور حياة لجميع البشر، وأحالوا الأشياء الهامة من التنفيذ والتقنين ووضع المنهج إلى البشر، وقالوا إن الإسلام أعلى من ذلك، فلئِن ظن هؤلاء أن مثل هذه الألاعيب تنطلي على المسلمين فإنما يخادعون أنفسهم.
قال الله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون - أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ - وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ - اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ - أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا ... مُهْتَدِينَ} [1] .
وكما فعل عمارة بتقسيم العلمانية، ومحاولاته إلباسها لباس الإسلام فقد قسَّم العيسمي العلمانية: إلى علمانية ملحدة، وعلمانية محايدة. فيعرف العلمانية المحايدة بقوله:
[العلمانية لا تلغي الدين أو الممارسة الدينية كما تخرج الممارسة الدينية من الحيز الاجتماعي والسياسي كي تعيدها إلى إطارها الوحيد في الحيز الشخصي، والعلمانية ليست نقيض التعصب الديني فالتعصب الديني عندما يقتصر على الإيمان وعلى العلاقة بين الفرد وربه فإنه حق للفرد، أما عندما يتحول إلى قاعدة للتنظيم الاجتماعي والممارسة السياسية فإنه يصبح وسيلة قمع استبدادية غير عقلانية، وبالاستناد إلى هذه المفاهيم يطلق بعضهم على العلمانية اسم المعتدلة وسنطلق عليها نحن اسم العلمانية المحايدة من باب التمييز لها عن العلمانية المتطرفة أو الملحدة وفق العقيدة الماركسية ولأنها تضمن حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية بدافع التطبيق لمبادئ الديموقراطية وليس بدافع الإيمان أو عدم الإيمان بدين معين] [2] .
إذًا فالعلمانية غير الملحدة أي المحايدة أو المعتدلة أو ... الخ، التي يدعو لها محمد عمارة، أو يدعو للتفاهم معها، ويصور الخلاف معها بأنه في دائرة الخطأ والصواب، أو دائرة الاجتهاد: هي علمانية تعزل الدين عن كل شيء. وإذا فكر المتدين بعمل اجتماعي فهو استبدادي، وهي إذا سمحت للمسلم بأن يصلي مثلًا فهي تفعل هذا من منطلق الديموقراطية، وليس الإيمان أو عدمه، ثم يصور هذا بأنه خلاف في الاجتهاد.
وعلى نفس طريقة محمد عمارة يدندن الدكتور محمد أحمد خلف الله حيث يقول:
[نستطيع أن نؤكد أن القرآن الكريم وأن النظام الإسلامي الذي أنشأه القرآن الكريم وأن نظام الحكم الذي أوجده العقل البشري أيام الصحابة من الأنصار والمهاجرين نظام علماني أو على أقل تقدير نظام لا يعارض العلمانية ولا ينكرها] [3] .
(1) - سورة البقرة: 9 - 16.
(2) - العلمانية والدولة الدينية، ص /51 - 52.
(3) - مجلة الطليعة العربية -العدد 129. تاريخ 28/ 10/1985 م- مقال لمحمد أحمد خلف الله عن "الإسلام وعلمانية الدولة"."