الحزب الموالي لفرنسا.
وبعد رحيل الفرنسيين عن مصر كان قد أتى إليها ضابط صغير مع الحملة التركية اسمه (محمد علي سرششمة) وكان أميًّا جاهلًا، تاجرًا للتنباك، وعمره لا يتجاوز الخامسة والثلاثين، وكان الفرنسيون قد رحلوا وأخذوا ما وقعت عليه أيديهم من كتب، وبقي في مصر جالية من المستشرقين وقنصل فرنسي عام أحاطوا بمحمد على سرششمة إحاطة السوار بالمعصم. ولما تولى محمد على سرششمة الذي أصبح محمد علي باشا كان أول ما فعله الانتقام من الشيخ عمر مكرم الذي قاوم الفرنسيين، ونزع منه نقابة الأشراف، ثم نفاه إلى دمياط في أول رجب سنة 1224 هـ، وبقي منفيًا حتى توفاه الله سنة 1237 هـ، وبدأ الفرنسيون يحركون دميتهم الجديدة محمد على سرششمة، فأزاح عن مشيخة الأزهر العلماء المجاهدين وشتتهم، وأنزل بالأزهر عدة ضربات ليجهز على الصحوة التي أثخنها الفرنسيون بالجراح، وأصبح القنصل الفرنسي هو الحاكم الفعلي من وراء محمد علي سرششمة، وفي نفس الوقت كان لبريطانيا دور .. يقول الشيخ محمود شاكر: [وكانت إنجلترا ومستشرقوها ما فتئت تخول الدولة التركية، وتؤلبها على مهد اليقظة في جزيرة العرب، والتي قام بها وأسَّسها محمد بن عبد الوهاب، واستجابت دار الخلافة بغفلتها إلى هذا التأليب حتى جردت حملات متتابعة لقمع اليقظة الوهابية، وآبت في جميعها بالإخفاق، ثم منذ ولي محمد علي سرششمة جعلت تركيا تحرّضه إلى تجريد الجيوش لقتال الوهابيين، وتتابع هذا الطلب من سنة 1222 هـ إلى سنة 1225 هـ، فلم يستجب لنداء تركيا، ولكن الاستشراق بقناصله زين أخيرًا لمحمد علي سرششمة أن يستجيب ليحقق مآربه في وأد اليقظة التي كادت تعمّ جزيرة العرب، وأمدوه بالسلاح الذي يعينه على خوض الحرب ... فكان هو وابنه إبراهيم وسائر أولاده طغاة من شرّ الطغاة، وكانت حربًا طاحنة لا معنى لها، ولا ينتفع بها إلا مثيروها من دهاة المسيحية الشمالية] [1] .
وسار محمد علي سرششمة بتنفيذ المخطط الفرنسي.
يقول الشيخ محمود شاكر: [والحقيقة أن فكرة البعثات العلمية لم تكن نابعة من عقل هذا الجندي الجاهل محمد على، بل كانت نابعة من عقول تخطط وتدبر لأهداف بعيدة المدى، استغلت ما في نفسه من المطامع وحبه للسيطرة، أحاطت به القناصل وهي تراقب أهواءه ومطامعه، فجعلت تغذيها وتزيدها توهجًا لتجعله قوة في قلب دار الإسلام، تنازع دار الخلافة في تركيا سلطانها، وتنشق عنها انشقاقًا يزيد في تفكك دار الإسلام، ويسرع في انهيار دار الخلافة، وفي تمزيقها وضعفها وارتخاء قبضتها على أطراف دار الإسلام، ويمهد للمسيحية الشمالية السبيل إلى تخطف أقاليم دار الإسلام بعد أن تصير أشلاء ممزقة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، على أن تكون هذه القوة - قوة محمد علي - في قبضة المسيحية الشمالية تصرفها كيف تشاء، وتقضي عليها قضاءًا مدمرًا يوم تحتاج إلى هذا التدمير، ولذلك كانت هذه البعثات الصغيرة كلها تتعلق بالصنائع الحربية التي تتعلق ببناء الجيش المصري .. ] [2] .
[ولما فرغ محمد علي من تحطيم اليقظة التي كانت في جزيرة العرب سنة 1236 هـ وعلا بذلك شأنه، وأرسى
(1) - في الطريق إلى ثقافتنا، ص / 137 - 138.
(2) - المصدر السابق، ص / 139.