ويقول الجبرتي المؤرخ المصري حفيد الجبرتي الكبير: [بعد هجعة من الليل دخل الإفرنج المدينة كالسيل، ومرّوا في الأزقة والشوارع لا يجدون لهم ممانعًا، كأنهم الشياطين أو جند إبليس، وهدموا ما وجدوا من المتاريس، ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوا من المتاع، ودشتوا الكتب والمصاحف على الأرض، طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا فيه، وتغوطوا وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب، وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفهم به عرّوه من ثيابه وأخرجوه] [1] .
وبعد فرار نابليون من مصر وتسليم الأمور إلى كليبر، أرسل نابليون رسالة من فرنسا إلى كليبر في مصر ننقل فقرة منها لعلاقاتها الماسّة بموضوعنا ولتبيين خفيات الأمور.
يقول نابليون في رسالته:
[ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب في هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلس أو دمياط. يجب أن تبني برجًا في البرلس. اجتهد في جمع 500 أو 600 شخصًا من المماليك، حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفرهم إلى فرنسا، وإذا لم تجد عددًا كافيًا من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب ومشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يحجزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولمّا يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضمّ إليه غيرهم.
كنتَ قد طلبتَ مرارًا جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتمامًا خاصًا بإرسالها لك، لأنها ضرورية للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد] [2] .
ويتضح لنا من هذه الرسالة أن أخذ المصريين إلى فرنسا لنقل التقاليد والعادات الفرنسية هدف فرنسي، فلما فشل نابليون والحملة الفرنسية بتنفيذه قام به محمد علي باشا وحسن العطار ورفاعة الطهطاوي وبقية رواد محمد عمارة. لقد كان نابليون وكليبر بعده يعدمون في كل صباح من خمسة إلى سبعة طلاب اختاروهم من بين الطلاب النابهين والذين تأثروا بالصحوة الإسلامية التي قادها محمد بن عبد الوهاب والجبرتي والبغدادي ليقضوا على العلماء، ثم يرسلون الإمّعات إلى فرنسا لينقلوا تقاليدها إلى بلادنا.
ومن الجدير بالذكر أنه قبل قدوم الحملة الفرنسية كان الحكام المماليك يمارسون ظلمًا وعسفًا على أهل البلاد، ووقف في وجه المظالم هذه نخبة من العلماء الكبار تبعهم الشعب، هؤلاء العلماء هم: الشيخ السادات، ونقيب الأشراف الشيخ عمر مكرم، والشيخ محمد الأمير. فلما جاء نابليون اقترح تأسيس الديوان، ووضع تسعة من المشايخ فيه لقيادة البلاد، وكان من بين هؤلاء التسعة الشيوخ الثلاثة المذكورون، ولكنهم رفضوا الانضمام للحكومة الفرنسية، وبدؤوا يحرضون الشعب للثورة على الفرنسيين، وكان قائدهم الشيخ عمر مكرم نقيب الأشراف، واستجاب بعض الشيوخ الذين أرسلوا فيما بعد تلاميذهم إلى فرنسا ليرجعوا ويشكلوا
(1) - تاريخ الجبرتي (3/ 26) .
(2) - من نص ترجمة الرسالة في كتاب أحمد حافظ عوض، فتح مصر الحديث، ص / 409 - 410.