فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 392

وهبّ الشوكاني محييًا عقيدة السلف، وحرّم التقليد في الدين، وحطم الفرقة والتنابذ الذي أدى إليه اختلاف الفرق بالعصبية.

أما خامسهم وهو الجبرتي الكبير فكان فقيهًا حنفيًا كبيرًا نابهًا عالمًا بالله وعلم الكلام، وتصدر إمامًا مفتيًا وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، ولكنه في سنة 1144 هـ ولَّى وجهه شطر العلوم التي كانت تراثًا مستغلقًا على أهل زمانه، فجمع كتبها من كل مكان، وحرص على لقاء من يعلم سرّ ألفاظها ورموزها، وقضى في ذلك عشر سنوات من 1144، 1154 هـ حتى ملك ناصية الرموز كلها: في الهندسة، والكيمياء، والفلك، والصنائع الحضارية كلها، حتى النجارة والخراطة والحدادة والسمكرة والتجليد والنقش والموازين، وصار بيته زاخرًا بكل أداة في صناعته وكل آلة، وصار إمامًا عالمًا أيضًا في أكثر الصناعات، ولجأ إليه مهرة الصناع في كل صناعة يستفيدون من علمه، ومارس كل ذلك وعلّم وأفاد حتى علَّم خدمه في بيته، ويقول ابنه عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ (تاريخ الجبرتي) يقول: (وحضر إليه طلاب من الإفرنج وقرؤوا عليه علم الهندسة وذلك في سنة 1159 هـ، وأهدوا إليه من صنائعهم وآلاتهم أشياء نفيسة، وذهبوا إلى بلادهم، ونشروا بها العلم من ذلك الوقت، وأخرجوه من القوة إلى الفعل، واستخرجوا به الصنائع البديعة، مثل طواحين الهواء وجرّ الأثقال واستنباط المياه وغير ذلك) .

وهؤلاء الإفرنج هم المستشرقون كما قصصت عليك من أخبارهم ومن اتصالهم بالعلم الحي عند علماء دار الإسلام لحل رمز الكتب العربية، والجبرتي الكبير رحمه الله كان على خلق أهل الإسلام فلم يضنّ على أحد من هؤلاء الإفرنج بشيء من علمه ولا أساء بهم الظن، بل عمل بما أدبه به نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: {من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار} ولو علم الجبرتي بخبيئة أنفسهم وهم يتملّقونه ويتخشّعون بين يديه فلا أدري ماذا كان يفعل وهو الفقيه المفتي رحمه الله] [1] .

ثم يتابع الشيخ محمود شاكر ليصف ردّ فعل الغرب على الصحوة الإسلامية فيقول: [ففي ذلك الوقت جاءهم النذير، نذير الاستشراق للمسيحية الشمالية بالخطر المدلهم الذي تهددهم به يقظة دار الإسلام بقيام محمد بن عبد الوهاب في جزيرة العرب، وظهور الجبرتي الكبير والزبيدي والبغدادي في مصر، كان نذير الاستشراق مروعًا وحاسمًا] [2] .

ثم يتابع: [وقيض الله لفرنسا قائدًا أوروبيًا محنكًا مظفرًا شديد البأس ... أصاخ سمعه لنذير الاستشراق ولنصحه وإرشاده فقد قدّر أن الحين قد حان، ليكون أول قائد أوربي استطاع بقوته أن يخترق قلب دار الإسلام من الشمال، وأن يداهم اليقظة التي أرّقت منام الاستشراق، وأن يبطش بها في عقر دارها بطشة جبار عاتٍ لا يبقي على شيء ... وفي 17 محرم 1213 هـ هوى نابليون هوي العقاب على مهد اليقظة في الديار المصرية ... حتى دخل القاهرة في العاشر من صفر 1213 هـ، وذعر الخلق فبدأ يداهن الناس، وحاول أن يستميل المشايخ من رجال الأزهر كي يستجيبوا لمحاولته ومخاتلته، فلما رأى امتناعهم على تطاول الأيام عجل فأطلق جنوده الغزاة ليطفئوا ما استقر في قلوبهم من نار الأحقاد المتوارثة على دار الإسلام] [3] .

(1) - في الطريق إلى ثقافتنا، ص / 83 - 84.

(2) - المصدر السابق، ص / 88.

(3) - المصدر السابق، ص / 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت