الأمة] [1] .
وقال ابن كثير: [قال مالك - رضي الله عنه: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة - رضي الله عنهم - الذين فتحوا الشام يقولون والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: {ذلك مثلهم في التوراة} ثم قال: {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} أي فراخه {فآزره} أي شده {فاستغلظ} أي شب وطال {فاستوى على سوقه يعجب الزراع} أي فكذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع {ليغيظ بهم الكفار} . ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة - رضي الله عنهم -. قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة - رضي الله عنهم - فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء] [2] .
ثم يريد أن يقرّر أن جيلنا خير من جيل الصحابة فيقول: [هذه الحقيقة التي تحدث عنها الحديث[3] . تحتاج إلى عرض وإلى تفسير قد يفضيان بنا إلى فهم آخر غير الذي فهمته منه هذه الحركات المؤمنة بتراجع الخيرية والتقدم بمرور التاريخ. وفي اعتقادي أن هذا الحديث النبوي لا يستأثر بالخيرية المطلقة لجيل الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما هو يتحدث عن خيرية التأسيس لقواعد النموذج الإسلامي، فنظرة الإسلام إلى خط سير التطور الإنساني منذ آدم إلى محمد وعبر رسالات الرسل ونبوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تؤكد النظرة المتقدمة والمتصاعدة لخط سير الخيرية والتقدم عبر التاريخ، فالإنسانية قد بلغت برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - سن الرشد بعد أن كانت خرافًا ضالة في فترات سبقت ذلك التاريخ، وموقف الإسلام المتميز من أدلة العقل والكون شاهد على ذلك الارتقاء الإنساني بمرور التاريخ. - ثم يقول: ثم إن الأبنية الحضارية التي تزهو بها أمة الإسلام، وإن قامت على الأسس التي شهدها عصر البعثة إلا أنها جاءت تالية لجيل الرسول عليه الصلاة والسلام] [4] .
وكأن الخيرية أبنية وقصور، وترع وجسور، وبوق وطنبور. ولكن ماذا نفعل؟! هذه نظرة المفكر الإسلامي محمد عمارة، ونحن نذكِّره أن الخيرية إنما هي خيرية اعتقاد ومنهج وتوحيد، وتمسك بهذا الدين، وعمل له، وسعي لنشره. ولا سيما أن هناك حقيقة وهي أن الحياة بدأت بالنبوة وتنتهي بالكفر المطلق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس كما ثبت في السنة [5] .
أما إذا تجاوزنا هذه الطبقة المباركة من الصحابة فيقول عمارة: [إن الدولة الأموية وبالذات مؤسسها معاوية بن أبي سفيان ليسوا بأكثر من جماعة قاموا بانقلاب ضد الفكرية السياسية الإسلامية تحت شعار الإسلام. وإن القوم دخلوا الإسلام مرغمين عندما اكتسحهم سيله الجارف فأظهروا الانقياد وتحينوا الفرصة
(1) - تفسير القرطبي (16/ 296 - 298) .
(2) - تفسير ابن كثير (4/ 205) .
(3) - إشارة إلى الحديث الذي رواه عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن} متفق عليه. رواه البخاري (2651) ، ومسلم (2533) ، وغيرهما.
(4) - مجلة المستقبل الإسلامي، العدد الأول، ص / 71 - 72.
(5) - ثبت في صحيح مسلم برقم (1924) من حديث عبد الله بن عمرووغيره - رضي الله عنهم - مرفوعًا: {لا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ} وفي رواية {ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ} .