كما تجاهل عمارة الكثير والكثير من العلماء المستقلين أمثال: السيد جمال الدين القاسمي، وبهجت البيطار، وعز الدين القسام في الشام، والشيخ نعمان بن محمود الألوسي وأبيه في العراق، والإمام الصنعاني، والإمام الشوكاني، والشيخ عبد الرحمن المعلمي في اليمن، وصديق حسن خان الغنوجي في الهند، والشيخ مصطفى صبري شيخ إلإسلام للدولة العثمانية والذي سكن مصر بعد سقوط الخلافة، وأمثالهم الكثير الكثير.
إن هذا التجاهل لا يمكن تفسيره إلا بمحاولة ستر الشمس بغربال، لإقناع الناس أن الليل هو الضياء. ولقد قال الفرزدق يومًا:
وليس قولك من هذا بضائره = ... العرب تعرف من أنكرت والعجم.
وسيأتي الرد على عمارة في قضية رموز الإصلاح عنده، وما يتعلق بهم عند الكتابة عنهم، كما سيتم تناول بقية النقاط إن شاء الله.
وإلى الذين يظنون أن محمد عمارة قد غير موقفه وأصبح إسلاميًا ننقل بعض الفقرات مما جاء في مقالة له في (كتاب الهلال -ديسمبر 2000) تحت عنوان الشهادة والعقل، قال: [فعلى حين اعتمدت الوضعية الغربية التجربة سبيلا أوحد للمعرفة الحقة جاعلة العقل منسقا بين معطيات التجربة ومنظما لها فإن النموذج الإسلامي في الثقافة قد اعتمد لسبل المعرفة أربع هدايات هي: العقل، النقل، التجربة، الوجدان. لا باعتبارها سبلا متجاورة ومستقلة كلا منها عن الآخر وإنما أولاها العقل ثم النقل أي القرآن والسنة ثم التجربة ثم الواجدان] [1] .
وهذا خلط عجيب حيث قدم آراء البشر وأهواءهم على كلام الله ورسوله وفي ذلك استدراك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بين لنا في السنة المطهرة المرجعية التي نرجع إليها ومنها نصدر دون زيادة أو نقص:
فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: { ... وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ} [2] .
وعَنْ مَالِك أَنَّهم بَلَغَهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: {تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ} [3] .
فمن قدم شيئًا على الكتاب والسنة فليس من المسلمين.
وعندما يتكلم عمارة عن العلاقة والتعايش مع الكفار يقول في نفس المقال تحت عنوان (الذات والآخر) : [سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل فإن وجود الآخر المتميز عن الذات والقبول له
(1) - كتاب الهلال ديسمبر 2000 ص/92.
(2) - رواه مسلم برقم (1218) .
(3) - رواه مالك في الموطأ برقم (1661) .