فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 392

العقل بالملكة، أي العقل الإنساني لطرأ عليه حادث وحيث أن العقل الفعال العام مادة أبدية وليست عرضة للطوارئ فالعقل الإنساني هو الذي يدرك العقل العام، أي أنه يرفع ذاته إلى العقل العام، ويتحد به، مع كونه قابلا للفناء ومع بقائه كذلك، فيتولد منه استعداد جديد يمكّنه من إدراك العقل العام، فمثل العقل العام كالنار، والعقل الإنساني هشيم يشتعل، ويتحول لهبًا بقربه من النار، وهذا هو الاتصال المباشر.

وقد يكون الاتصال بالعقل المستفاد أو المنبثق، وتكلم في إمكان الاتصال بالعقل العام وهو أقصى درجات الكمال، فقال إنه يختلف باختلاف الأفراد، ومرجعه ثلاثة قوى:

الأولى: قوة العقل الهيولي الأصيل وأساسها قوة الخيال.

والثانية: كمال العقل بالملكة ويقتضي بذل جهود في التفكير.

الثالثة: الإلهام وهو معونة ربانية تصدر من فضل الله جعلها ابن باجة شرطا أساسيا للاتصال.

فإذا ما توافرت للفرد تلك المواهب الثلاث وهيأته العناية للوصول خفيت ذاتية المتصل، والعقل الفعال ذاته ينمحي لدى اتصاله بالله الموجود الحق الفرد الذي له الوحدانية المطلقة وكذلك تنمحي سائر صفات النفس كما تلتهم النار مستصغر اللهب ... وابن رشد لا يرى شيئا خالدا سوى العقل الفعال العام والإنسان لا يكسب شيئا ينقله من الوجود الدنيوي، أما خلود النفس فخرافة] [1] .

[ومعنى هذا أن ابن رشد كان يقصد بوحدة النفوس القول بأن الإنسانية تعيش عيشة دائمة وأن خلود العقل الفعال هو إحياء دائم للإنسانية واستمرار دائم للمدنية، وهنا نلفت نظر الباحثين إلى الاتفاق التام بين هذا القول وبين نظرية"أوجست كومت"في خلود الإنسانية وبقائها تلك النظرية التي أدت إلى وضع دين للإنسانية فإقيمت له معابد في بعض ممالك الغرب.

يقول ابن رشد مستمرا في نظرية وحدة النفوس: أن العقل كائن مطلق مستقل عن الأفراد كأنه جزء من الكون وأن الإنسانية وهي أحد أفعال هذا العقل عبارة عن كائن لازم الوجود أزلي ... وأعظم نقط الوصول بلوغ العقل الإنساني أعلى درجات السمو الفكري والعلمي، وأن اتصال الإنسان بواجب الوجود ممكن إذا تمكن الإنسان من رفع النقاب عن وجه الحقيقة ... ويقول بأن غاية الإنسان انتصار أرقى أجزاء نفسه على حواسه. فمن بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الجنة مهما كانت عقيدته] [2] .

[وقال بأن العقل الفعال وحده خالد وأنه هو العقل العام للإنسانية فالإنسانية وحدها خالدة] [3] .

وقال: [أن الإنسان لا يثاب ولا يعاتب إلا في الحياة الدنيا] [4] .

(1) - تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، ص 163 - 164.

(2) - تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، ص 166 - 167.

(3) - تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، ص 168.

(4) - تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، ص 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت