فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 392

[قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامهم بشفوف علمهم في الأفهام، حيث لا داعي يدعو إلى الحي القيوم ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفا مالها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يوهمون أن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقا، ويسيرون فيها شواكل وطرقا، ذلك بأن الله خلقهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون! ونشأ منهم في هذه الحجة البيضاء شياطين انس يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب وابعد عن الرجعة إلى الله والمآب، لأن الكتابي يجتهد في ضلال ويجد في كلال وهؤلاء جهدهم التعطيل و قصاراهم التمويه و التخييل دبت عقاربهم في الآفاق برهة من الزمان إلى أن أطلعنا الله سبحانه منهم على رجال كان الدهر قدمنا لهم على شدة حروبهم و أعفى عنهم سنين على كثرة ذنوبهم وما أملى لهم الا ليزدادوا اثمًا، وما أمهلوا الا ليأخذهم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما.

(( وما زلنا ـ وصل الله كرامتكم ـ نذكرهم على مقدار ظننا فيهم وندعوهم على بصيرة إلى ما يقربهم إلى الله سبحانه ويدنيهم فلما أراد الله فضيحة عمايتهم وكشف غوايتهم وُقف لبعضهم على كتب مسطورة في الضلال موجبة أخذ كتاب صاحبها بالشمال ظاهرها موشح بكتاب الله وباطنها مصرح بالاعراض عن الله لبس منها الإيمان بالظلم، وجئ منها بالحرب الزبون في صورة السلم، مزلة للأقدام، وهَم يدب في باطن الإسلام، أسياف أهل الصليب دونها مغلولة وأيديهم عما يناله هؤلاء مفلولة فإنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم ويخالفونهم بباطنهم وغيهم وبهتانهم فلما وقفنا منهم على ما هو قذى في جفن الدين، ونكتة سوداء في صفحة النور المبين، نبذناهم في الله نبذ النواة وأقصيناهم حيث يقصى السفهاء من الغواة وأنقضناهم في الله كما أنا نحب المؤمنين في الله وقلنا اللهم إن دينك هو الحق اليقين وعبادك هم الموصوفون بالمتقين وهؤلاء قد صرفوا عن آياتك وعميت أبصارهم وبصائرهم عن بيناتك فباعد أسفارهم وألحق بهم أشياعهم حيث كانوا وأنصارهم ولم يكن بينهم إلا قليل وبين الإلمام بالسيف في مجال ألسنتهم والإيقاظ بحده من غفلتهم وسِنتهم ولكنهم وقفوا بموقف الخزي والهون ثم طردوا عن رحمة الله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون

(( فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه ومتى عثر منهم على مُجِدٍ في غلوائه عمٍ عن سبيل استقامته واهتدائه فليعاجل فيه بالتثقيف والتعريف ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار! وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. أولئك الذين حبطت أعمالهم أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم ويكتب في صحائف الأبرار تضافركم على الحق واجتماعكم أنه منعم كريم!] [1]

هذا هو المفكر الفيلسوف الذي يصفه عمارة بالإسلامي، ولقد اطّلع القارئ الكريم على شيئ من كفره

(1) - تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، ص 142، 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت