فهل بقي بعد ذلك شك للطابع السياسي لقتال تلك الحرب، وفي الطبيعة السياسية لذلك الصراع العنيف؟ وهل يستطيع لفظ الردة أن يحجب هذه الطبيعة السياسية عن أعين الباحث وعقل المتأمل ولبّ المفكر في ذلك الصراع؟ لا نعتقد بل ولا نظن] [1] .
إن استشهاد عمارة بالشيعي ابن أبي الحديد يضيف إلى ظُلُماته ظلمة أخرى لتصبح ظلمات بعضها فوق بعض. ولا أدري هل قرأ المفكر الإسلامي محمد عمارة عن حروب الردة في كتب المسلمين أم لا؟، وهل اكتفى بكتب الشيعة والمستشرقين على عادة رواده؟ ولكن لا بأس أن نوضح بعض النقاط على عجالة:
أولًا: إن الردة لم تبدأ على عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ بل بدأت زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما بدأت أكبر ردة في اليمن، ونجد.
ففي اليمن قام الأسود العنسي [2] حتى سيطر على جميع اليمن، فتمالأ جمع ممن بقي على الإسلام بقيادة فيروز الديلمي [3] مع زوجة العنسي (آزاد) [4] ، ودخلوا على العنسي ليلًا وقتلوه وأرسلوا برأسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [5] .
كما أن مسيلمة الكذاب وطلحة بن خويلد ارتدا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أرسل للمرتدين الرسل يدعونهم إلى الإسلام، وأمر المسلمين القريبين منهم أن ينابذوهم ويجمعوا الجموع ضدهم، وفي هذه الأثناء انتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحياة الدنيا فزادت الردة، وكانت على أنواع، ردة من تنبأ وكفر واتبعه أناس من قومه على هذا الكفر، وردة من منع الزكاة وهو بذلك يكفر لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام، ولقد ناقش أبو بكر عمر رضي الله عنهما عندما قدم له الأدلة وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتواتر {أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام} [6] . وفي سنن النسائي: عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: [لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ. قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ شُرِحَ عَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ] [7] .
(1) - الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ص/ 116 - 117.
(2) - قيل اسمه عبهلة وهوالذي يدعى بكذاب اليمن، قال ابن إسحاق: وقد تكلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذابان: مسيلمة بن حبيب (الكذاب) باليمامة في بني حنيفة، والأسود بن كعب العنسي بصنعاء. قتله فيروز الديلمي.
(3) - فيروز الديلمي: يكنى أبا عبد الله وقيل أبوعبد الرحمن. وقال ابن منده وأبونعيم: هوابن أخت النجاشي. من أبناء فارس في اليمن، أسلم وحسن إسلامه، قتل الأسود العنسي، وحارب بقايا أتباعه وانتصر عليهم وأَسَر بعضهم حتى وصل جيش المهاجر بن أَبي أُمية، الَّذي طهَّر مناطق اليمن الدَّاخلية والمرتفعات،، توفي سنة 53 للهجرة.
(4) - آزاد الفارسية: زوجة شهر بن باذان، الذي قتله الأسود العنسي، تزوج بها العنسي، وضعت خطة لقتل زوجها المرتد بالاتفاق مع ابن عمها فيروز الديلمي.
(5) - يراجع تاريخ الطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، والكامل في التاريخ لابن الأثير، والمنتظم لابن الجوزي سنة 11 هـ، كما يراجع الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة لماهر حمادة ص / 330 ومابعدها.
(6) - متفق عليه - رواه البخاري برقم (25) ، ومسلم برقم (22) .
(7) - رواه النسائي برقم (3094) .