ثانيًا: إن جميع المرتدين: إمّا أنهم تنبؤوا كالأسود العنسي، وطليحة بن خويلد الأسدي، ومسيلمة الكذاب، وسجاح، أو أنهم تحالفوا مع المتنبئين كطيء والرباب وأهالي البحرين وعيينة بن حصن الفزاري [1] ومالك بن نويرة ومن شاكلهم. فاجتمع فيهم ادعاء النبوة أو الموافقة عليها، ومنع الزكاة، ومفارقة جماعة المسلمين، والإعداد لحربهم. وكل واحد من هذه الأعمال تكفي وحدها للحكم على مقترفها بالردة عن الدين، فهل كان كل هذا ردة سياسية وليس له علاقة بالدين؟!
ثالثًا: إن أبا بكر - رضي الله عنه - بعد أن احتج بالأدلة الشرعية ووافقه من كان خالفه بالبداية أصبح إجماعًا على قتال أهل الردة، وكتبه - رضي الله عنه - إلى الأمصار توضح أن الردة كانت دينية وليست سياسية، وهذه نماذج منها:
[بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، نقرُّ بما جاء به ونكفِّر من أبى ونجاهده، أما بعد: فإن الله تعالى أرسل محمدًا بالحق من عنده إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإذنه من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعًا وكرهًا، ثم تَوفَّى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: {إنك ميت وإنهم ميتون} [2] . وقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ} [3] . وقال للمؤمنين: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [4] . فمن كان إنما يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد، حي قيوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه يجزيه. وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاء به نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضالٌّ، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يُعِنه الله مخذول، فمن هداه الله كان مهتديًا، ومن أضله كان ضالًا، قال الله تعالى: ... {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [5] .
ولم يُقَبَل منه في الدنيا عمل حتى يقرّ به، ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولا عدل، وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به اغترارًا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا} [6] . وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ
(1) - عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري أبومالك، أسلم بعد الفتح، وشهد حنينًا، كان من المؤلفة قلوبهم، ثم ارتد وتبع طليحة الأسدي ثم أسلم، وذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
(2) - سورة الزمر: 30.
(3) - سورة الأنبياء: 34.
(4) - سورة آل عمران: 144.
(5) - سورة الكهف: 17.
(6) - سورة الكهف: 50.