وفي لفظ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» [1] .
وجه الاستدلال: إن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تلفظ بالنية, وكذلك لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عَلَّم أحدا من الصحابة التلفظ بالنية, ولو كان التلفظ مشروعا لنُقِل إلينا كما نُقِلت إلينا أدق أعماله، فعُلِم أن التلفظ بها بدعة مُحدَثة [2] .
الدليل الثالث: ولأنها لم تَرِد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من السلف؛ ولو كانت خيرا لسبقونا إليها [3] .
الدليل الرابع: ولأن النية من أعمال القلب، فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح، كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان، لم تفتقر إلى غيره من الجوارح [4] .
الدليل الخامس: ولأن الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - لم ينقلوا إلينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تلفظ بالنية، لا سرا ولا جهرا، ولا أَمَر بذلك، فلما لم ينقله أحد عُلِم قَطعا أنه لم يكن. وحينئذ فتَرْك التلفظ بها هو السُنَّة [5] .
الدليل السادس: ولأن المتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع، كان قد واضب على فعل مُبتَدع [6] .
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه لا يشرع التلفظ بالنية في العبادات, ومن ذلك الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث عائشة، وقولهم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تلفظ فيه بالنية، فيجاب عنه:
(1) رواه مسلم 3/ 1343 رقم 1718، كتاب الأقضية, باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.
(2) ينظر: شرح العمدة كتاب الصلاة لابن تيمية ص 591، واتباع لا ابتداع ص 107.
(3) ينظر: القبس في شرح الموطأ 1/ 214، والمدخل لابن الحاج 2/ 274، وكشاف القناع 1/ 87.
(4) ينظر: الحاوي الكبير 2/ 92.
(5) ينظر: حاشية الروض المربع 1/ 192.
(6) ينظر: مرقاة المفاتيح 1/ 42، إعلام الموقعين 2/ 389 - 391.