فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فإن قلت: هل يجوز أن يكون في محل النصب على الاستثناء، كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد، وإلا زيدًا؟ قلت: لا أمنع ذلك.
ومعنى يرغب عن ملته، أي: يترك دينه وشريعته، يقال: رغِبتُ في الشيء أرغَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَغْبَةً ورَغَبَةً بالتحريك، إذا أردته. ورَغِبتُ عنه: إذا لم تُرِدْهُ وزهدْتَ فيه.
وأصل الرغبة: رفع الهمة عن الشيء تنزهًا، وإليه سُمُوًّا. فمعنى قوله: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} : أي يرفع نفسه عنها، فاعرفه.
فإن قلتَ: علام انتصب {سَفِهَ} من {سَفِهَ نَفْسَهُ} ؛ قلت: اختَلف أهلُ النحو فيه على أربعة أقوال [1] :
أحدها: بـ {سَفِهَ} ، على تضمين {سَفِهَ} معنى جهل، أي: لم يفكر فيها وامتهنها واستخف بها [2] . وأصلُ السَّفَهِ: الخفةُ والحركةُ، يقال: تَسَفَّهَتِ الريحُ الشجرَ، أي: مالت به.
والثاني: على إسقاط الجار، أي: سَفِهَ في نفسه، فحُذف الجارُّ ونُصب المفعول، كقولهم: ضربَ الظهرَ والبطنَ، أي: على الظهر والبطن، وقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني [3] .
والثالث: على معنى سَفَّه نفسَه، ثم خُفِّفَ وهو مراد، يقال: سَفِهَ نفسَه، وبَطِرَ عيشَه، ورَشِدَ أمرَه، والأصل: سَفِهَمتْ نَفْسُهُ، وَرَشِدَ أَمْرُهُ، فلما حُوِّلَ الفعلُ إليه انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه على تقدير التشديد [4] .
(1) كذا قال ابن الجوزي في زاد المسير 1/ 147، ولم يذكر مكي 1/ 71 وتبعه ابن الأنباري 1/ 123 إلا ثلاثة من هذه الأربعة، وأوصلها السمين 2/ 120 إلى سبعة.
(2) رجح الزجاج 1/ 211 هذا القول، فيكون (سفه) متعديًا بنفسه كجهل، و (نفسه) مفعولًا به.
(3) هذا الوجه للأخفش 1/ 157 - 158. وذكره الزجاج أيضًا، وقال: وهو عندي مذهب صالح. قلت: فيكون (نفسه) على هذا منصوبًا بنزع الخافض.
(4) ذكر هذا القول الأخفش 1/ 157، وحكاه عنه الزجاج 1/ 209، ونسبه ابن الجوزي 1/ 147 إلى الأخفش ويونس.