والنظر بعد اللجأ إلى الله [1] ، فإذا ما لاحَ له وجه الصواب الذي لا يجوز له مخالفته قال به وأفتى، ولو أدَّى ذلك إلى سجنه وعقوبته [2] .
وهذا دأبه فيما يحتاجه الناس وتبيَّن له فيه الحقّ، كما قال بعد بحثٍ طويلٍ في مسألة طواف الحائض [3] : (هذا هو الذي توجَّه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملًا لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلامًا لغيري؛ فإنَّ الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به، فإنْ يكن ما قلته صوابًا فهو حكم الله ورسوله والحمد لله، وإنْ يكن ما قلته خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان من الخطأ، وإن كان المخطئ معفوًا عنه. .) .
فابن تيمية له رؤيته المغايرة لرؤية السبكي في هذه المسألة، فالقول بوقوع الطلاق المعلَّق أدَّى إلى قيام سوق المحلِّلين الملعونين [4] ، ووقوع
(1) ومن أمثلة ذلك: ما قاله في تفسير آيات أشكلت (2/ 597) :"قد تدبَّرت الربا مراتٍ، عودًا على بدءٍ، وما فيه من النصوص والمعاني والآثار؛ فتبيَّن لي -ولا حول ولا قوة إلا بالله بعد استخارة الله- أنَّ أصل الربا هو النسأ. . ."إلخ.
(2) فقد قال بعد أنْ عاد إلى الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق بعد مَنعِهِ: (لا يَسَعُنِي كتمان العلم) . العقود الدرية (ص 394) .
(3) مجموع الفتاوى (26/ 241) .
(4) يَصِفُ ابن القيم في إعلام الموقعين (5/ 540) طرفًا منها بقوله: (فَعُطلَت لفتاواه مصانعُ التحليل، وهُدِّمَت صوامعه وبِيَعُهُ، وكسدت سوقه، وتقشَّعت سحائب اللعنة على المحلِّلين والمحلَّل لهم من المطفقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وَخَرَجَ من حَبْسِ تقليد المذهب المعيَّن به مَنْ كَرُمَتْ عليه نفسُهُ من المستبصرين) .