التي تسعى إلى الوصول نحو مراکز تؤهلها للمشاركة في القرار الاقتصادي العالمي بشكل فاعل، من خلال فرض سياسات وبرامج تعرقل العمليات التنموية للبلدان النامية ومنها بلدان جنوب شرق آسيا، ومن ثم تخضعها لتبعية مزمنة للمراكز الرأسمالية ومؤسساتها الدولية وربطها بقيود المديونية الخارجية وشروطها القاسية، الأمر الذي يؤكد بأن النظام الدولي الجديد الذي روجت له الولايات المتحدة وحلفائها، بآلياته ومؤسساته كافة، قد أثر سلبا على التجربة التنموية لبلدان جنوب شرق آسيا. لذلك فإن هذا الكتاب قد وضع لمناقشة إحدى أهم إفرازات النظام الدولي الجديد على المستوى الاقتصادي متمثلة بالأزمة الآسيوية والتركيز عليها دون ما سبقها او ما لحقها من أزمات عديدة وقعت في مختلف بلدان العالم وأنتقل تأثيرها إلى بلدان أخرى، كما هو الحال مع ازمة اليورو في أوروبا، وازمة الرهن العقاري التي تفجرت من مركز الراسمالية والمتمثل بالولايات المتحدة ثم انتشرت فيما بعد إلى مناطق بعيدة من العالم، وغير ذلك من ازمات عديدة اخرى.
اذ ان اهتمامنا بالازمة الاسيوية حصرة دون غيرها جاء من أجل توضيح خطورة المسار الذي تنتهجه او تسعى إليه معظم البلدان النامية - ومنها البلدان العربية - ممثلا بالانفتاح والاندماج بالاقتصاد العالمي وبشكل مطلق، والتعاطي مع العولمة بمختلف أنواعها، في ظل منظومتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتاحة، أو على أقل تقدير من دون الأخذ بنظر الاعتبار الإجراءات اللازمة وخلق البيئة المناسبة للشروع بذلك بغية تحقيق المكاسب من هذا الاندماج وتخفيض الخسائر المحتملة كما هو الحال مع البلدان الآسيوية المأزومة إلى أدنى مستوى لها.
وإذ أن النظام الدولي الجديد يكرس لهيمنة قوة واحدة على العالم، ومن ثم يؤسس الدكتاتورية عالمية تقف في الضد من حرية الشعوب وسيادتها وحقها في تقرير مصيرها. لذا فإن الكتاب يناقش أيضا مواطن الضعف في التجربة الآسيوية لتلافيها من قبل البلدان النامية التي تتطلع لمحاكاة النموذج التنموي الآسيوي أو تحاول الاستفادة من التجربة، فضلا عن التطرق إلى مسألة مهمة تتعلق بتمويل التنمية في البلدان النامية البيان أهمية الحذر في حالة اللجوء إلى التمويل الأجنبي أو تجنبه إذا ما أرادت هذه البلدان تحقيق تنميتها المستقلة.