فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 251

الباب الثالث

الأزمة الآسيوية

تمهيد:-

على مدى العقود الثلاثة السابقة للأزمة الآسيوية، كانت بلدان جنوب شرق آسيا

مثارة للإعجاب بسبب إنجازاتها الاقتصادية، فقد تمتعت جميعها بسجل رائع من الأداء الاقتصادي تمثل بالنمو السريع، والتضخم المنخفض، واستقرار الاقتصاد الكلي ومتانة المراكز المالية، ومعدلات الإدخار المرتفعة، والاقتصادات المفتوحة، والقطاعات التصديرية المزدهرة. وعدت هذه البلدان ظاهرة استثنائية في خارطة التطور العالمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وشغلت الأوساط السياسية والاقتصادية والمالية في الشرق والغرب معا لسنوات عدة، واعتبرتها القوى الرأسمالية شاهدة على صحة الخيار الرأسمالي للتطور القادر على الإنجاز والإبداع. إلا أن هذه الظاهرة المعجزة لم تلبث أن واجهت قبل نهاية القرن الماضي اختبارة قاسية بلغ في صيف (1997) حد الأزمة الكبرى التي عدها البعض کسوفا للظاهرة ونهاية للمعجزة! ووصلت بعض بلدانها حد الانهيار الاقتصادي الشامل وأصاب فيها ما أصاب. ومع أن الكثير من المختصين قد وصفها بأنها أزمة مالية عصفت بأسواق هذه البلدان الآسيوية، الا انها ظهرت في شكلها الظاهري وكأنها نتيجة عقوبة بعد أن استنفذت التجربة الآسيوية شروط وزخم استمرارها، ومع توجه الأنظار إلى هذه الأزمة التي بدأت تحديدا بالانخفاض الحاد في اسعار العملات المحلية مقارنة بالدولار الأمريكي، وعلى الرغم من أن هذا المؤشر يعتبر نتيجة وليس سببا، فإن محور النقاش الدائر حول هذه الأزمة ووجه صناع القرار إلى البحث عن الوسائل الكفيلة بالتصدي للهبوط الحاد في اسعار العملات المحلية، ولان كان هذا المؤشر مهمة من الناحية التقنية، فانه لا يمكن أن يعطي الصورة الكاملة لنوعية المشكلة التي اجتاحت بلدان جنوب شرق آسيا، وعليه فإن الحديث عن ازمة مصرفية - سواء كانت عابرة أم قارة - يدلل على أن المشكلة الاقتصادية تتجاوز في الحقيقة اسواق العملات والسندات لترتبط بخيارات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت