المالية العالمية ببرامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي التي طبقتها نتيجة لتفاقم ازمة ديونها الخارجية واضطرارها لطلب اعادة جدولة ديونها على وفق شروط كل من نادي باريس ونادي لندن، وهي الشروط التي ربطت اما بشكل مباشر أو غير مباشر، بين حرية انسياب رؤوس الأموال عبر الحدود والانفتاح على اسواق المال العالمية من ناحية، وبين اعادة الجدولة والحصول على القروض الجديدة من ناحية أخرى (1) .
ان تناقضات الاقتصاد العالمي أفضت إلى خلق وضع شاذ، فالكساد والضغوط التجارية أصبحت تحرم البلاد النامية من موارد نابعة من صادراتها، وهما ذاتهما اللذان يخلقان السيولة الفائضة التي تمكن هذه البلدان من الحصول على القروض، واصبحت البنوك التجارية دولية النشاط - تحت تأثير ارتفاع معدلات الأرباح التي تحققها من نشاطها الائتماني تحث البلاد النامية على الاقتراض منها باستمرار، وهنا نجح رأس المال المالي الدولي في ايقاع هذه البلدان في فخ المديونية الخارجية. (2)
وعلى أية حال، فانه مع تزايد عمليات تحرير الأسواق المالية في كثير من البلاد النامية تسارعت حركة التدفقات المالية إلى هذه البلدان، وبخاصة التدفقات قصيرة الأجل في السنوات الأخيرة، لكن تلك التدفقات لم تكن بشكل متكافئ فيما بين جميع هذه البلدان، كما أن التجارب اكدت ان اكثر البلدان تلقية لهذا النوع من الأموال كان اكثرها تعرضا للازمات النقدية والمالية، وهو الأمر الذي وضح من أن الصورة الوردية التي كانت تبدو بها (العولمة المالية) في كتابات كثير من الاقتصاديين هي ليست كذلك، وهكذا بعد أن كانت الدعاية صاخبة جدا لعولمة الأسواق المالية وحتى عهد قريب جدة، بدأت الهواجس تتردد حول المخاطر التي تتمخض عن عولمة تلك الأسواق، وبالذات العولمة السريعة لها وعدم التحوط الكافي لتجنب آثارها السلبية المحتملة على استقرار الاقتصاد الكلي وعلى سلامة اوضاعه الداخلية والخارجية. (3)
والواقع أنه في ضوء اجراءات العولمة المالية (فتح الحساب الجاري وحساب رأس المال) وفي ضوء ثبات اسعار الصرف وارتفاع اسعار الفائدة المحلية، وفي ضوء وجود
(1) المصدر السابق نفسه، ص 64.
(2) د. فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، (1990) ، ص 298.
(3) د. رمزي زكي، العولمة المالية، مصدر سبق ذكره، ص 65.