و مما سبق نعلم أن منهج عثمان رضي الله عنه أثناء الفتنة و مسلكه مع المنافقين - هذا مصطلح نبوي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم على الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه ، لحديث ( ... فأرادك المنافقون أن تخلع ..الخ ، تقدم تخريجه - ، الذين خرجوا عليه لم تفرضه عليه مجريات الأحداث ، ولا ضغط الواقع ، بل كان منهجًا نابعًا من مشكاة النبوة ، حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر و الاحتساب و عدم القتال حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا . وقد وفىّ ذو النورين رضي الله عنه بوعده و عهده لرسول الله صلى الله عليه وسلم طوال أيام خلافته ، حتى خرّ شهيدًا مضجرًا بدمائه الطاهرة الزكية ، ملبيًا لدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالإفطار عنده . انظر: استشهاد عثمان لخالد الغيث(ص116) بتصرف يسير .
أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (1/496-497) بإسناد حسن ، من طريق مسلم أبو سعيد مولى عثمان رضي الله عنه: أن عثمان بن عفان أعتق عشرين مملوكًا ، و دعا سراويل فشدها عليه - حتى لا تظهر عورته عند قتله - و لم يلبسها في جاهلية ولا في إسلام ، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في النوم و رأيت أبا بكر و عمر و أنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة ، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه ، فقتل وهو بين يديه .
و اعتبرت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه من أخطر الأحداث التي مرّت بها الدولة الإسلامية في عصر الخلافة الراشدة ، و قد تركت من الاختلاف و الانقسام في صفوف الأمة ما كاد يودي بها ، و قد أعقبها فتن داخلية أخرى تتصل بها و تتفرع عنها و هي موقعة الجمل و صفين و النهروان ، كما استمرت آثارها متمثلة في الخوارج و الشيعة المعارضين للدولة الأموية و العصر الأول من الدولة العباسية خاصة ، بل يمكن أن نعتبر الانقسامات الكبرى الناجمة عن الفتنة مؤثرة في الأمة حتى الوقت الحاضر .