واستمرت المفاوضات بين ابن زياد وبين الحسين بعد وصوله إلى كربلاء حتى قتل رضي في العاشر من المحرم. أي أن المفاوضات استمرت أسبوعًا واحدًا تقريبًا، ومن المعلوم أن المسافة التي تفصل بين دمشق والكوفة تحتاج إلى وقت قد يصل إلى أسبوعين، أي أن ابن زياد اتخذ قراره والذي يقضي بقتل الحسين دون الرجوع إلى يزيد، أوأخذ مشورته في هذا العمل الذي أقدم عليه، وبذلك يكون قرار ابن زياد قرارًا فرديًا خاصًا به لم يشاور يزيد فيه، وهذا الذي يجعل يزيد يؤكد لعلي بن الحسين بأنه لم يكن يعلم بقتل الحسين ولم يبلغه خبره إلا بعد ما قتل.
ولعل فيما ذكرنا من أدلة تبين عدم معرفة يزيد بما أقدم عليه ابن زياد من قتل الحسين رضي الله عنه، إضافة إلى أقوال الصحابة التي ذكرناها سابقًا والتي تحمّل المسؤولية في قتل الحسين على أهل العراق، ولم نجد أحدًا من الصحابة وجه اتهامًا مباشرًا إلى يزيد، ولعل في ذلك كله دليلًا واضحًا على أن يزيد لا يتحمل من مسؤولية قتل الحسين شيئًا فيما يظهر لنا، أما الذي في الصدور فالله وليه وهوأعلم به، ولسنا مخوّلين للحكم على الناس بما في صدورهم، بل حكمنا على الناس بما يثبت لنا من ظاهرهم والله يتولى السرائر وهوعليم بكل شيء.
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الوصية الكبرى (ص 45) : ولم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله. ويقول في موضع آخر من منهاج السنة (4/ 472) : إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، والحسين رضي الله عنه كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويفون له بما كتبوا له .. فلما أدركته السرية الظالمة، طلب أن يذهب إلى يزيد أويذهب إلى الثغر أويرجع إلى بلده، فلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى سيتأسر لهم، فامتنع فقاتلوه حتى قتل شهيدًا مظلومًا رضي الله عنه.