فهذا الشافعي رحمه الله فيما نقل عنه في كتابه الأم أنه نهى أن يأخذ بقوله إلا بعد العلم بدليله الذي قال به قوله هذا، وهذا مثال آخر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كان مدرسة فقهية بذاته، مع انتسابه للمذهب الحنبلي فقهًا واجتهادًا، لكنه بلغ رتبة الاجتهاد والبحث والاستدلال، فلم يقف بهذا عند حدود مذهبه الفقهي لكنه اجتهد وقعد وأصل، وهذب ونقح، وزاد وأفاض، حتى أنه كانت له اجتهادات مخالفة في بعض المسائل وهي قليلة جدًا بالنسبة لسعة علمه وتأصيله، وهذا وارد فلا عصمة لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم.
وقد عادت تأصيلات المنهج السلفي فيمن بعده إلى اليوم، بفضل الله تعالى، ثم إلى هذا الرجل الأصولى، والذي حرص على إحياء معالم الشريعة الإسلامية فيما استطاع من جهد وعلم واجتهاد صحيح، وكانت له اليد الطولى في ذلك.
وبالتأمل إلى منهج السلف والسلفية، نعلم فضل هذا الرجل في تجديد الإسلام بصفائه وشموله، وما من آخذ اليوم إلا وقال قال ابن تيمية، سواء كان على منهج السلف أو على خلافه، وهذا لإنصاف الرجل، وأنه صاحبه الكلمة المسموعة، والاجتهاد الواسع، والفهم الدقيق، والتأصيل العميق، وكذلك صار على منهجه تلميذه النجيب شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية عليه رحمة الله تعالى. وقد سبق معنا الإشارة في جملتنا - المنهج السلفي منهج تجديدي لا تقليدي - نعم، منهج يأنف التقليد بلا علم أو فقه أو بصيرة، من دليل من كتاب الله وسنة صحيحة عن رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع لا خلاف فيه.
فالمنهج السلفي ليس كما يقال عنه أنه على مذهب واحد، هذا في الأصل خلاف منهج السلف أنفسهم كما بينت الآن، بل إن هذا المنهج يرفض التقليد بلا علم أو استدلال صحيح، كما أنه يقوم على الاتباع الصحيح، وهذا الاتباع يعني الدليل أولا من كتاب الله تعالى، ثم الصحيح من السنة النبوية، ثم الإجماع، ثم ما وافق الحق من دليل آخر أو قياس صحيح.