فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 402

يقول أبو بطين رادًا هذا المذهب:"فليس حكم الكفر والردة مقصورًا على من عاند مع معرفة وعلم، فنحن لا نعرف المعاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق، ولكن لا ألتزمه، ولا أقول به وهذا الصنف بهذا الوصف لا يكاد يوجد" [1] .

أما الثالث: فإن مناط الآية لا ينطبق على مثل ما استدل به من الإعذار بالجهالة؛ فإن الآية نزلت في أقوام، لم يكن قد نزل عليهم القرآن بتحريم الاستغفار للمشركين، فهم لم يخالفوا نصًا من كتاب الله، جهلًا أو خطأ أو تأويلًا بل فعلوا أمرًا مسكوتًا عنه، وهو لفظ ابن جرير الذي احتج به:"وهو قوله: وأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به، ولم ينه عنه". فهل الشرك الذي جاء كتاب الله من أوله إلى آخره يحذر منه وينهى عنه على ألسنة رسله حيث قال: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) [الزخرف: 45] يستوي مع أمر مسكوت عنه لم ينزل الله فيه حلًا ولا حرمة؟؛ وقد بين الله للناس ما يتقون، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول إليهم ما يتقون، وإعراضهم عما دلهم عليه هذا الرسول، فلما أعرضوا وضلوا عنه أضلهم الله، واستحقوا عقابه؛ والخلاصة أن الآية لا تنطبق على مسألة الإعذار بالجهالة في الاعتقادات والعمليات، ولكن بابها إعذار مرتكب الفعل المسكوت عنه قبل ورود النص بتحريمه وتبيين الله له [2] .

يقول العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي، في معرض كلامه عن دلالة الآيات القرآنية على عدم المؤاخذة بالفعل قبل نزول ورود النص الشرعي -الذي هو الحجة التي تقطع عذر المحتج إذا انتهت إليه- فيقول:"ومن أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التوبة: 115] فإنهم لما استغفروا لموتاهم المشركين فنزل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 113] فندموا على استغفارهم للمشركين، فأنزل الله الآية مبينًا أن ما فعلوه من الاستغفار لهم على حكم البراءة الأصلية قبل نزول التحريم، لا مؤاخذة عليهم به حتى يحصل بيان ما ينهى عنه انتهى من مذكرة أصول الفقه (ص19) ."

قد يعترض معترض أن هذه الآيات في الكفار الأصليين، فنقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند العلماء الأعلام، وقد استدل علماء الدعوة النجدية

(1) - الدرر السنية: (9/ 241) .

(2) - راجع فصل ثبوت التفريق، وفصل الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت