فهرس الكتاب
عذر لهذا ولا لأمثاله من الضُّلال الذي منشأ ضلالهم عن الإعراض"وقوله:"فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه"فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الحق."
33 -يقول الإمام ابن القيم في كلامه عن الحجة وقيامها:
"الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله؛ فيعاقبه على ذنبه بحجته واعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان أطاع أم عصى، فإن حجة الله قد قامت على العباد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أم جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهي عنه فقصر عنه ولم يعرفه -فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه؛ قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] ، وقال: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) [الملك: 8 - 9] وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117] [1] ."
فتأمل كيف وضح الإمام أن حجة الله تقوم على العباد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، وبلوغ ذلك الكتاب إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أم جهل، وأوضح أيضًا أن كل من تمكن من معرفة الحق فقصر في ذلك، ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة.
34 -يقول الإمام ابن القيم في تعليقه على الأحاديث التي ورد فيها تبشير الكافر بالنار فيقول:"وقوله:"حيثما مررت بقبر كافر فقل: أرسلني إليك محمد"هذا إرسال تقريع وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي، وفيه دليل على سماع أصحاب أهل القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم، ودليل على أن من مات مشركًا فهو في النار وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيّروا الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، أن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى"
(1) - مدارج السالكين: (ص166) ط/ التراث.