فهرس الكتاب
وقد أوضحنا لك في فصل مستقل أن الحجة تقوم بالقرآن وبلوغه ببعثة الرسول، وأن العبرة بالبلوغ، وليست بفهم الحجة، وهو رأي الأئمة الأعلام [1] .
50 -كلام الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي مفتي الديار النجدية، وعالم الطائفة السلفية في رسالة النبذة الشريفة النفيسه في الرد على القبوريين يقول رحمه الله:"وأما قوله: إن سلمنا هذا القول، وظهر دليله، فالجاهل معذور؛ لأنه لم يدر الشرك والكفر، ومن مات قبل البيان فليس بكافر، وحكمه حكم المسلمين في الدنيا والآخرة؛ لأن قصة ذات أنواط. وبني إسرائيل حين جاوزوا البحر تدل على ذلك إلى آخره".
فالجواب: أن يقال:"إن الله أرسل الرسل: (مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] ، فكل من بلغه القرآن، ودعوة الرسول، فقد قامت عليه الحجة؛ قال الله تعالى: (لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) [الأنعام: 19] ، وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] وقد أجمع العلماء على أن من بلغته دعوة الرسول أن حجة الله قائمة عليه، ومعلوم بالاضطرار أن من الدين أن الله سبحانه بعث محمدًا وأنزل عليه الكتاب؛ ليعبد وحده ولا يشرك معه غيره، فلا يدعى إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف خوف السر إلا منه، والقرآن مملوء من هذا قال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: 18] .. ، ثم ذكر رحمه الله آيات كثيرة في هذا المعنى إلى أن قال:"والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة والله سبحانه لا يعذب حلقه إلا بعد الإعذار إليهم، فأرسل رسله، وأنزل كتبه؛ لئلا يقولوا: (لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 47] ، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) [طه: 134] ، فكل من بلغه القرآن فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام، وقد بينها الله في كتابه ووضحها، وأقام بها الحجة على عباده، وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليهم حجة الله مع إخباره أنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفهموا كلامه، فقال: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) [الأنعام: 25] ، وقال:، وقال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) [فصلت: 44] ، وقال تعالى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الأعراف: 30] ،
(1) - وقد أوضحنا ذلك في فصل الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، وقد فهم مثل هذا الفهم إسحاق بن عبد الرحمن في معرض بيانه لموقف الشيخ سليمان في هذه المسألة. راجع حكم تكفير المعين (ص16) .