فهرس الكتاب
الحواريين كانوا مؤمنين، وهم خواص عيسى، وأنهم لم يشكوا في ذلك، حتى قال الحسن: لم يشكوا في قدرة الله، وإنما سألوه سؤال مستخبر هل ينزل أم لا؟ فإن كان فاسأله لنا" [1] ."
فهذا المفسر أبو حيان صاحب تفسير"البحر المحيط"يؤكد أن القول بعدم شك الحواريين في قدرة الله هو القول الذي أطبق واتفق عليه غالب أهل العلم من المفسرين.
3 -كلام الحلبي المفسر في وصفه قول من قال: إن الحواريين قد شكوا في قدرة الله وأنهم قد صدر منهم هذا القول من غير تحقيق ولا معرفة بالله وبقدرته بأنه خارق للإجماع.
يقول الألوسي ناقلًا عن الحلبي في معرض كلامه على قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) :
" (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) لم يكن (أي القول بأنه شك في القدرة) عن تحقيق منهم ولا عن معرفة بالله تعالى وقدرته -سبحانه-؛ لأنهم لو حققوا وعرفوا لم يقولوا ذلك؛ إذ لا يليق مثله بالمؤمن بالله -عز وجل".
وتعقب هذا القول الحلبي بأنه خارق للإجماع" [2] ."
(1) - البحر المحيط، لأبي حيان: (4/ 53) .
(2) -- روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للإمام الألوسي (7/ 58) .
تعليق على كلام الألوسي ومذهب الجمهور:
فإذا علم ما قد نقلناه لك عن أبي حيان والقاسمي والحلبي من أن مذهب الجمهور يقرر أن الحواريين لم يشكوا في قدرة الله تعالى علمت خطأ ما ادعاه صاحب كتاب"العذر بالجهل عقيدة السلف"من أن القول بأن الحواريين قد شكوا في قدرة الله تعالى، هو قول الجمهور من المفسرين (ذكر ذلك ص26) من كتابه، ولا ريب أن هذا الذي قاله صاحب الكتاب ادعاء لا يستطيع أن ينقل عليه قولًا واحدًا لأحد من المفسرين ينص بوضوح على أن الحواريين قد شكوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة عند جمهور المفسرين، ولا يستطيع إثبات ذلك، وقد وقعت لصاحب الكتاب المذكور خطيئة أخرى طالما أنكرها على غيره، وهو أنه نقل كلامًا للألوسي الذي نقلناه لك أعلى الصفحة ولم ينقل بقية كلام الشيخ الألوسي ونقله عن البرهان الحلبي بأنه خارق للإجماع، حتى يصور للقارئ أن الألوسي يقول بأن الحواريين قد شكوا في قدرة الله، وبتر بقية كلام الألوسي الذي تعقب فيه الكلام الأول لأنه يتعارض مع رأيه في محاولة إثبات شك الحواريين في قدرة الله. (راجع كتاب العذر بالجهل عقيدة السلف ص23) : وقيل: إن سؤالهم للإطمئنان والتثبت كما قال الخليل -عليه الصلاة والسلام-: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) [البقرة: 260] . ومعنى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [البقرة: 278] إن كنتم كاملين في الإيمان، والإخلاص، ومعنى: (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) [المائدة: 113] نعلم علم مشاهدة وعيان بعد ما علمناه علم إيمان وإيقان. ومن هذا يعلم ما يندفع به الاعتراض أ. هـ -وهذا الكلام من الإمام الألوسي يدل على اختياره أن الحواريين لم يشكوا، ولو كان قوله -رحمه الله- يفهم منه أن الحواريين كانوا شاكين في قدرة الله لما كان لقوله الأخير الذي نقلناه لك ثمة فائدة؟ حيث إنه -رحمه الله -يقرر أن السؤال كان للإطمئنان والتثبت، وليس للشك في قدرة الله تعالى، وفسر قوله: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) بمعنى إن كنتم كاملين في الإيمان، والإخلاص، وبهذا يعلم أن الألوسي رحمه الله لا يقول بهذا الوجه الذي نسبه إليه صاحب كتاب العذر بالجهل عقيدة السلف، ومما يوضح ذلك أكثر قوله رحمه الله:"والأكثرون على أن هناك مضافًا محذوفًا، أي: سؤال ربك. أي: هل تسأله ذلك من غير صارف؟. وعن الفارسي أنه لا حاجة إلى تقدير. والمعنى (يقصد عند الفارسي في حالة عدم التقدير) : هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك. وأنت تعلم (الكلام للألوسي) بأن اللفظ لا يؤذي ذلك فلا بد من التقدير"انتهى من الجزء (7/ 59) . وهذا الكلام السابق دليل مستقل على أن الألوسي يرجح أن في الآية (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) مقرًا محذوفًا وهو سؤال ربك، واعتماده هذا الوجه السابق يدل على أنه لا يرى أن الحواريين قد شكوا في قدرة الله، وإلا لما كان لهذا الترجيح فائدة؟ حيث أنه ينافي قول من قال: إن الحواريين قد شكوا في قدرة الله؟ فإنهم قد أجروا الآية على ظاهرها ولم يقولوا إن هناك مقدرًا محذوفًا كما هو قول الزمخشري وغيره ممن يثبتون أن الحواريين كفار شاكون في قدرة الله تعالى. ومما يدل على ترجيح هذا الوجه أيضًا قوله (7/ 60) : (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا) [المائدة: 113] أكل تبرك. والكلام كما قيل تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال، أي: لسنا نريد من السؤال إراحة شبهتنا في قدرته سبحانه في تنزيلها أو في صحة نبوتك حتى يقدح ذلك في الإيمان والتقوى .. أ. هـ. وهذا الكلام الأخير من الإمام الألوسي يدل دلالة واضحة على أن سؤال الحواريين لم يكن لشكهم في قدرة الله تعالى، أو في صحة نبوة عيسى -عليه السلام-، بل كان لمزيد اليقين والاطمئنان وعلم المشاهدة، وبذلك النص الأخير لا يتبقى لمنصف أدنى شك أو ريب في أن الألوسي لا يرجّح أن الحواريين قد شكوا في قدرة الله على إنزال المائدة. وراجع كلامه مفصلا في تفسيره (58 - 65) حتى نقف على صحة ما قد قررناه لك.